الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٨١ - ٢٨ المتن
فبينما أنا أفكّر في نفسي و أخيرها بين الكفر و الإسلام، و إذا بالنساء قد علا صراخهنّ و قمن على الأقدام و شخصن بأبصارهنّ مما يلي القبة البيضاء. فقمت على قدمي و شخصت بصري و إذا بنساء خرجن من تلك القبة، و أمام تلك النساء جارية حسناء، و في يديها ثوب مصبوغ بالدم و شعرها منشور و جيبها ممزوق، و هي تعثر بأذيالها و تلطم خدها و تستغيث بالأنبياء و بأبيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و بأمير المؤمنين (عليه السلام) من قلب مفجوع و فؤاد بالحزن مشلوع؛ و هي تصرخ و تنادي بأعلا صوتها: وا ولداه، وا ثمرة فؤاداه، وا حبيب قلباه، وا ذبيحاه، وا قتيلاه، وا غريباه، وا عباساه، وا عطشاه.
و لما قربت- يا سيدي و مولاي- تلك الجارية من الرءوس و الأطفال، وقعت مغشية عليها ساعة طويلة. ثم أفاقت من غشوتها و أومت بعينها إلى الرأس الشريف، فانحنى ذلك الرمح الذي عليه الرأس الشريف بقدرة اللّه تعالى و سقط في حجر الجارية.
فأخذته و ضمّته إلى صدرها و اعتنقته و قبّلته، و قالت: يا بني، قتلوك كأنهم ما عرفوك و ما عرفوا من جدك و أبوك! يا ويلهم، و من الماء منعوك، على وجهك قلّبوك، و من قفاك ذبحوك. يا ولدي يا حسين! من الذي جزّ رأسك من قفاك؟ و من الذي هشم صدرك و رضّه و هدّ قواك؟ و من الذي- يا أبا عبد اللّه- سبى عيالك و نهب أموالك؟ و من الذي ذبحك و ذبح أطفالك؟! فما أجرأهم على اللّه و على انتهاك حرمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟!
قال الراوي: لما سمع علي بن الحسين (عليه السلام) سقوط الرأس في حجر الجارية الحسناء، قام على طوله و نطح جدار البيت بوجهه. فكسر أنفه و شجّ رأسه و سال دمه على صدره، و خرّ مغشيا عليه من شدة الحزن و البكاء.
فلما أفاق من غشوته، صرخ صرخة عالية حتى سمعها أهل المدينة، فماجت المدينة بأهلها كما تموج السفينة في البحر. فخرجن نساؤه و بناته و أهل بيته و كلهنّ كان حاضرا، و أتين إليه يتعثّرن بأذيالهنّ لما سعوا تلك الصيحة العالية من علي بن الحسين (عليه السلام). فرأينه في بكاء دائم و عزاء قائم، فتصارخن في وجهه و تباكين لبكائه و نعين لنعائه.