الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٧٩ - ٢٨ المتن
قال: رأيت يا سيدي كأني خرجت من بيتي قاصدا لزيارة بعض الإخوان، و إذا بي قد تهت عن طريقي، فحار فكري و ضاع ذهني و انسدّت الطرق في وجهي و لم أدر أين أتوجّه.
فبينما في حيرة من فكري، و إذا من خلفي زعقات و صرخات و تكبير و تهليل و أصوات عالية قد ارتفعت. فالتفتّ إلى ورائي و إذا بخيل و عسكر و أعلام منشورة و رءوس على رءوس الرماح مشهورة، و من وراء الخيل و العسكر عجاف من الجمال، عليها نساء مسلبات و أطفال موثوقات و أثاث بيوت محملات، و بين تلك النساء و الأطفال غلام شاب راكب على جمل أضلع و هو في غاية الضرّ و العناء و رأسه و يداه مغلولتان إلى عنقه بجامعة من حديد و فخذاه يشخبان دما و دموعه تجري على خدّيه، و كأنه أنت يا سيدي يا علي بن الحسين (عليه السلام).
و كل من تلك النساء و الأطفال تلطم وجهها و خديها و تصيح بأعلى صوتها و تقول:
وا محمداه، وا علياه، وا فاطمتاه، وا حسناه، وا حسيناه، وا مقتولاه، وا مذبوحاه، وا غريباه، وا ضيعتاه، وا كرباه. فخنقتني العبرة و رقّ قلبي و دمعت عيناي لحال تلك النساء. فآنست وحشتي بهم، و جعلت أبكي لبكائهم و أسير لمسيرهم.
فبينما هم سائرين، إذ لاحت لهم قبّة بيضاء من صدر البرية كأنها شمس مضيئة، و كان أمام القفل ثلاثة من النساء. فلما رأين القبة البيضاء، وقعن من ظهور الجمل إلى الأرض، فحثين التراب على رءوسهنّ و لطمن على خدودهن و قلن: وا حسناه، وا حسيناه، وا غربتاه، وا ضيعتاه، وا قلة ناصراه.
فلحق بهنّ رجل كوسج اللحية، أزرق العينين و ضربهنّ و ركبهنّ كرها. فرأيت- يا سيدي و مولاي- واحدة منهنّ- و أظنّها أكبر سنّا- يتقاطر الدم من تحت قناعها من شدة وجدها و حزنها على ما هي فيه، و كان- يا سيدي- أمام الرءوس رأس له نور يزهر، يغلب على شعاع الشمس و القمر.