الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٦١ - ١٩ المتن
مخالفته، و عندي أمرّ من أن آكل الصبر لما أعهد من مرارة الحنظل. فلما ذقتها فإذا هي أحلى من العسل و أبرد من الثلج و أطيب ريحا من المسك، فشبعت و رويت.
ثم قال لي: ادع صاحبك. فدعوته، فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة. فقال له: قم لا بأس عليك. فأقبل إليه حبوا و فعل معه كما فعل معي. ثم نهض ليركب، فقلنا: للّه عليك يا سيدنا إلا ما أتممت علينا نعمتك و أوصلتنا إلى أهلنا؟ فقال:
لا تعجلوا، و خطّ حولنا برمحه خطة و ذهب هو و صاحبه.
فقلت لصاحبي: قم بناحتى نقف بإزاء الجبل و نقع على الطريق. فقمنا و سرنا و إذا بحائط في وجوهنا. فأخذنا في غير تلك الجهة و إذا بحائط آخر، و هكذا من أربع جوانبنا. فجلسنا و جعلنا نبكي على أنفسنا. ثم قلت لصاحبي: آتنا من هذا الحنظل لنأكله. فأتى به فإذا هو أمرّ من كل شيء و أقبح فرمينا به.
ثم لبثنا هنيئة، و إذا قد استدار بنا من الوحش ما لا يعلم إلا اللّه عدده، و كلما أرادوا القرب منا منعهم ذلك الحائط. فإذا ذهبوا زال الحائط، فإذا عادوا عاد. قال: فبتنا تلك الليلة آمنين، حتى أصبحنا و طلعت الشمس و اشتدّ الحرّ و أخذنا العطش. فجزعنا أشدّ الجزع، و إذا بالفارسين قد أقبلا و فعلا كما فعلا بالأمس. فلما أرادوا مفارقتنا قلنا له: باللّه عليك إلا وصلتنا إلى أهلنا. فقال: ابشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ثم غابا.
فلما كان آخر النهار و إذا برجل من فراسنا و معه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب.
فلما رآنا، ارتاع منّا و انهزم و ترك حميره. فصحنا إليه باسمه و نسمّينا له. فرجع و قال: يا ويلكما! إن أهاليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا و ركبنا تلك الأحمرة. فلما قربنا من البلد، دخل أمامنا و أخبر أهلنا. ففرحوا فرحا شديدا و أكرموه و أخلعوا عليه. فلما دخلنا إلى أهلنا، سألونا عن حالنا. فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذبونا و قالوا: هو تخييل لكم من العطش.
قال محمود: ثم أنساني الدهر حتى كأن لم يكن و لم يبق على خاطري شيء منه.
حتى بلغت عشرين سنة و تزوّجت و صرت أخرج في المكاراة، و لم يكن في أهلي