الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٨٨ - ٢٩ المتن
فلما سمعت ذلك، طار عقلي و ذهب لبّي لأني سمعت كلاما ما سمعته من أحد من الناس. فنظرت إليه و حقّقت النظر منه، فإذا هو مقابلها من الجانب الشرقي، عليه جبّة خزّ دكناء، و نحره يسيل دما طريا و هو من غير رأس و كلامه يخرج من منحره، و هو يقول: يا أماه! قلت لهم: إن جدي محمد المصطفى صلى اللّه عليه و آله، و أبي علي المرتضى (عليه السلام)، و أمي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و جدتي خديجة الكبرى، و أخي الحسن الرضي (عليه السلام). فلم يسمعوا كلامي و لم يرعوا مقامي، و قد سدّوا عليّ شرائع الفرات كلها و أباحوا ماءها للكلاب و الخنازير و تنادوا بينهم على من يشرب الماء بالإناء خوفا أن تدرك أحدا منهم الرقة عليّ و على بناتي و أولادي و نسائي. فيسقوه الماء و كبوني على منحري في التراب، و ذبحوني من قفاي، و داسوا صدري بحوافر خيولهم من بعد ما قطعوا رأسي، و أضرموا النار في خيامي على أطفالي و عيالي، و سلبوا بناتي، و سحبوا أخواتي، و أخذوا ملاحفهنّ، و نهبوا أرديتهنّ، و خرموا آذانهنّ، و ضربوا جنوبهنّ.
فتعجّبت من كلامه لها و أنا قد تداخلني خوف عظيم، فقلت: ليتني أعرف هذه المرأة و هذا المتكلم! لكن المرأة أقرب إليّ منه. فكلما أهمّ أن أقرب إليهما و أسألها، تمنعني الهيبة من التجسّر عليها و تردّني الجلالة عن مسألتي إياها، فقلت: ان لا بد من سؤالها، فقلت: أستعين باللّه. فتجاسرت و دنوت و أنا أقدّم رجلا و أؤخّر أخري.
فلما صرت قريبا من حافة الغدير، سلّمت عليها فردّت عليّ السلام و هي مختنقة بعبرتها. فقلت لها: سألتك باللّه من تكونين؟ و ما هذا الثوب الممزّق الملطّخ بالدم؟
و من هذا الذي يخاطبك و هو بغير رأس؟ و ما هذا الذي يسيل منه؟ فزادت حسرتها و اشتعلت زفراتها و انتحبت نحيبا عاليا مترادفا، و اختنقت و قالت: سألتني عظيما و طلبت مني أمرا جسيما. أنا أمّ هذا الشهيد المظلوم، أنا بنت نبي هذه الأمة صلى اللّه عليه و آله، أنا فاطمة الزهراء، أم الحسين (عليه السلام) الذي قتلته أمة جده من بعدنا و استوحدوه حين متنا.
ثم على نحيبها، و إذا بنساء أقبلن من بين تلك الأشجار كأنهن الشموس الطالعة و هي من غير ستر و لا شعار، و جلسن حول ذلك الجالس الذي من غير رأس؛ ناشرات شعورهنّ، مفجّعات بندبهنّ.