الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٨٦ - ٢٩ المتن
الثوب تمزيق كثير من أثر السيوف و طعنات الرماح، و المرأة جالسة على حافة الغدير و هي تغسل ذلك الثوب من الدم و تتأمل الخروق التي في الثوب و تبكي بكاء شديدا عاليا و تصرخ صراخا مرتفعا.
ثم ترجع النظر إلى الثوب و تعاود فركه و غسله من الدم، و الدم على ما بان لي دم عبيط يابس و الثوب بغاية البياض، و قد فاحت من ذلك الثوب روائح أذكى من روائح العنبر، و المرأة ذات بهاء و هيبة و كلامها ليس بكلام الآدميين، و هيبتها يتصدّع منها قلب الشجاع العظيم، و كلامها كأنه طعن الرماح و ضرب السيوف، و بكاؤها يفجع الصخر الأصم، و استغاثتها و ندبتها تكاد أن تنطبق منه السماء على الأرض.
و أسمعها تقول: وا غوثاه بك يا أباه! أ ما ترى ما فعلت أمتك فينا؟ أما أنا- يا أباه- فقد ضيّعوني حقي، و طردوني من بيتي، و ضربوني على جنبي، و أخذوا ميراثي، و دفعوني عن نحلتي، و ردّوا عليّ شهادتي، و مزّقوا كتابي الذي كتبته على نحلتي، و صغّروا قدري، و و لووا أعناقهم عني، و غمضوا أعينهم عن صدق دعواي، و سدّوا آذانهم عن استماع كلامي، و خذلوني و ما نصروني، و أعانوا عليّ و ما أعانوا لي.
و ما كفاهم ذلك- يا أبي- حتى أجمعوا حطبا و أداروا حول بيتي ليحرقوني مع أولادي.
فلما رأيتهم- يا أباه- مصرّين على حرق بيتي، فتحت لهم الباب و لذت عنهم خلفه.
فعصروني ما بين الحائط و الباب عصرة كادت روحي أن تخرج منها. فأسقطوني جنيني الذي كنت سمّيته المحسن.
و ما كفاهم ذلك حتى أتوا على ابن عمي؛ حبيبك الذي ربّيته صغيرا و اجتبيته كبيرا و جعلته أميرا كما جعله اللّه كذلك، و قبضوا عليه و وضعوا حمائل سيفه في عنقه و قادوه كما يقاد الجمل الهائج، و لو لا أمرك و محافظته لوصيتك و قيامه على أوامرك و نواهيك، لسقى أولهم بكأس آخرهم.
يا أبتاه! فلما رأيت ما فعلوا بابن عمي، انقطعت أوصالي و انصرمت حبالي، و لفّفت خماري على رأسي و لبست إزاري، و أتيت نحو القوم و قلت لهم لعلهم يراعون قرابتي