المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٦٨ - ٣- (الفساد)
بالحرمة التشريعية، و أما الحرمة الذاتية فهي قائمة بنفس الفعل الخارجي فالجهة اختلفت و لا يوجد اتحاد في شيء واحد حتى يلزم اجتماع المثلين المستحيل.
الجواب الثالث: أنه يمكن البناء على فساد العبادة المنهي عنها و إن لم نقل بدلالة النهي على الحرمة الذاتية بل يكفي في فساد العبادة كونها محرمة بالحرمة التشريعية. إذ لا أمر بالإتيان بصلاة الحائض، و إذا كان لا يوجد أمر بها فالصلاة فاسدة. فصلاة الحائض نعبر عنها أنها حرام بالحرمة التشريعية.
فيخرج هذا الفرد (صلاة الحائض) المنهي عنه عن إطلاق الدليل أَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الدال على صحة هذه الصلاة باعتبارها فردا من أفراد طبيعة العبادة (الصلاة).
المقام الثاني في المعاملات: هل النهي عن المعاملة يقتضي فسادها أم لا؟ قبل الجواب نذكر مقدمة و حاصلها ما يلي: إن النهي عن المعاملة لها ثلاثة أشكال:
الشكل الأوّل- النهي عن السبب: مثل: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ... ما هو المنهي عنه من قبل الشارع هل المنهي عنه السبب- أي: المنهي عنه هو إيجاد المعاملة بما هي فعل مباشري، و تلفظ بالإيجاب و القبول- أو المنهي عنه المسبب- أي: المنهي عنه إيجاد المعاملة بما هي فعل يترتب عليه الملكية-؟
الجواب: المنهي عنه هو السبب لا المسبب (الملكية)؛ لأن الملكية ليست مبغوضة عند الشارع، فإذا حصلت الملكية عن طريق الهدية فلا إشكال في ذلك. و إنما المبغوض عند الشارع هو السبب (بعت و اشتريت أي: الإيجاب و القبول). إذا: المبغوض عند الشارع هو إيجاد المعاملة بما هي فعل مباشري، و تلفظ بالإيجاب و القبول. لما ذا السبب مبغوض عند الشارع؟ لأن البيع و الشراء (بعت و اشتريت) في يوم الجمعة يشغل المكلف عن الصلاة.
الشكل الثاني- النهي عن المسبب: و مثاله: ملكية الكافر للعبد المسلم. فإن الملكية هنا منهية عنها، فأصل الملكية هنا لا يريدها الشارع مهما كان السبب أي: سواء كان السبب بيعا أو إرثا أو هدية ...
فإن الملكية هنا مبغوضة عند الشارع بأي سبب كان.
الشكل الثالث- النهي عن إيجاد المسبب بالسبب الخاص: و مثاله: ملكية الزيادة بالبيع الرّبوي. فأصل الزيادة غير مبغوضة عند الشارع لأنه قد تحصل الزيادة عن طريق الهدية، و إنما المبغوض عند الشارع هي الزيادة الحاصلة عن طريق البيع الرّبوي خاصة. إذا: إيجاد ملكية الزيادة بهذا السبب الخاص و هو البيع الرّبوي المبغوض عند الشارع و ينهى عنه.
إذا: النهي عن المعاملة له ثلاثة أشكال، قد يشكل بإشكال منطلق من القاعدة القائلة: بأن النهي يتعلق بفعل المكلف كما في تعلق النهي بالسبب و هو العقد، فإن العقد فعل المكلف. و محصل هذا الإشكال هو كيف يتعلق النهي بالمسبب (كالملكية) و هي أثر و ليست فعل المكلف؟
أجاب صاحب الكفاية (قدس سره) في كفايته قائلا: إن الملكية أيضا فعل المكلف إلا أنه فعل تسبيبي و توليدي في قبال الفعل المباشري. و الفرق بينهما يوضح في مثال: رمي الورقة في النار و احتراقها. فإن رمي الورقة في النار يسمى فعلا مباشريا؛ إذ فعل الرمي وقع تحت مباشرة يدي. و من هذا الرمي تحقق الاحتراق، فالاحتراق تحقق على نحو التسبيب و التوليد أي: أنا ولدته و سببته فيسمى فعلا توليديا. هنا