المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٢١ - تحرير محل النزاع
الوجه الأوّل- النهي أقوى دلالة من الأمر: و وجه الأقوائية هو: أن النهي (لا تغصب) دلالته شمولية بمعنى: أن النهي في «لا تغصب» شاملة لجميع أفراده، فجميع أفراد الغصب اتركه. و أما الأمر في «صل» ليس شموليا بل بدلي بأن يصلي صلاة واحدة على سبيل البدل، و على هذا الأساس يقدم النهي على الأمر لأقوائيته دلالة.
- صاحب الكفاية ناقش هذا الوجه قائلا: صحيح بأن النهي دلالته شمولية، و الأمر دلالته بدلية و لكن لا يلزم من هذا أن يكون النهي أقوى دلالة من دلالة الأمر. نعم إذا استفيدت الشمولية من الوضع أي:
بالدلالة الوضعية؛ بأن يكون النهي «لا تغصب» وضعت للدلالة على الشمولية، و أن البدلية استفيدت من مقدمات الحكمة فطبيعة الصلاة تصدق بالإتيان بالفرد الواحد، فلو أراد المولى «عزّ و جل» من «صل» جميع أفراد الصلاة في الخارج لأتى بقرينة تدل على ذلك. إذا: مقدمات الحكمة في «صل» تقتضي البدلية، و الدلالة الوضعية دائما أقوى من الدلالة الحكمية (مقدمات الحكمة).
الوجه الثاني- أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة: هذه قاعدة وجدانية: فإن النهي عن الغصب يكشف عن المفسدة فيه، و الأمر بالصلاة يكشف عن المصلحة فيها، و دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، و عليه: ترك الصلاة في الأرض المغصوبة دفعا لمفسدة الغصب أولى من فعلها.
و قد أورد عليه الميرزا القمي صاحب القوانين حيث قال (قدس سره): إن هذه القاعدة ليست كلية بمعنى: لا كلية لأولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة، و إذ يمكن أن يكون هناك واجب معين لا بدل له بحيث انحصر في فرد، فإن في ترك هذا الواجب أيضا مفسدة، حينئذ يدور الأمر بين المفسدتين: فعل الغصب و بين ترك الصلاة، فلا بدّ في هذه الحالة من ملاحظة الأهم منهما و بما أن مفسدة ترك الصلاة أهم فتقدم و هذا معنى تقديم الأمر على النهي.
صاحب الكفاية الآخوند الخرساني من بعد أن رد صاحب القوانين ناقش هذه القاعدة بأربع مناقشات:
المناقشة الأولى: قال: لا كلية لهذه القاعدة بمعنى: ليس دائما دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.
و مثاله: الذهاب إلى الجامعة يجلب لي منفعة كبيرة و لكن في الطريق المؤدي إلى الجامعة أتعرض إلى أذى بسيط، فهل نقول هنا: دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة؟ كلا بل نقدم ما هو أكثر ملاكا. ثم يوضح صاحب الكفاية قائلا: إن الصلاة من أهم الواجبات، فلو دار الأمر بين الصلاة و بين الغصب لا تجري القاعدة هنا بل يقدم الأمر؛ لأن الصلاة من أهم الواجبات فالصلاة أقوى من الغصب فتقدم.
المناقشة الثانية: بعد تسليم كبروية قاعدة أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة؛ إلا أنه نمنع صغروية المقام لها، و ذلك لأن مورد هذه القاعدة التخيير بعد عدم الأخذ بالترجيح، مثل: ما لو دار الأمر بين وجوب شيء في الشريعة و حرمته كالصلاة في الأرض المغصوبة إذا فرض دوران حكمها بين الوجوب و الحرمة، فإن الحكم فيها- بعد عدم إمكان الترجيح- هو التخيير. و هذا بخلاف المقام، فإنه- بعد عدم إمكان الترجيح- لا يرجع إلى التخيير، بل يرجع إلى الأصل العملي كما قلنا سابقا.
المناقشة الثالثة: إن هذه القاعدة- بعد التسليم بها- إنما تفيد فيما إذا حصل القطع بالأولوية، و هذا ممنوع، لأن غاية ما يحصل هو الظن بها أي: أن هذه القاعدة ظنية و ليست قطعية، و هذا لا يجدي