المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٢٢ - تحرير محل النزاع
لعدم حجيتها، لأن الأصل عدم اعتباره.
المناقشة الرابعة: لو سلمنا بالقاعدة، و أنها تجدي و إن لم يحصل العلم به، و قلنا: بحجية الظن بالأولوية في ترجيح النهي على الأمر و لكن بشرط إذا لم تجر فيه أصالة البراءة. إذا: قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة يمكن تطبيقها فيما إذا كان احتمال الوجوب و الحرمة موجود؛ من دون أن يوجد أصل ينفي أحد الاحتمالين، و أما إذا كان يوجد أصل ينفي أحد الاحتمالين لا يمكن أن تجري القاعدة هنا؛ لأن الأمر لا يدور بين مفسدة و مصلحة. و مثال على عدم إجراء الأصل لنفي أحد الاحتمالين هو: فيما إذا دار الأمر بين كون الشيء واجبا تعيينيا، و بين كونه حراما تعيينيا هنا لا يمكن إجراء الأصل؛ لأن أصالة عدم وجوبه معارض بأصالة حرمته، هنا تجري قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة؛ لدوران الأمر بين الوجوب و الحرمة التعيينين.
و أما في مقامنا هذا في «الصلاة في الأرض المغصوبة»، لا تجري القاعدة، فإن الصلاة وجوبها تخييري فإن وجوب الصلاة يتحقق في أي مكان سواء كان في الأرض المغصوبة أو خارج عنها فالمكلف مخير. و أما الحرمة في (لا تغصب) فواجب تعييني أي: لا تغصب في أي وقت و في أي مكان. فعند ما نشك في موردنا توجد حرمة أم لا؟ نجري أصالة البراءة عن الحرمة التعيينية، إلا أن هذا يعارض أصالة البراءة عن الوجوب التخييري؛ لأن أصل البراءة لا يمكن إجراءه لنفي الوجوب التخييري بل أصل البراءة يجري لنفي الوجوب التعييني.
لما ذا لا تجري أصالة البراءة في الوجوب التخييري؟ لأن أصل البراءة جعله الشارع من باب المنة و التوسعة على العباد، فإن إجراء أصالة البراءة في الواجب التعييني عند الشك توسعة على العباد، و أما جريان أصالة البراءة في الواجب التخييري فتسبب الضيق على المكلف لا التوسعة. مثاله: كفارة إفطار يوم من شهر رمضان: هي عتق رقبة أو صوم شهرين متتاليين أو إطعام ستين مسكين. فالكفارة مخيرة بين هذه الأمور الثلاثة. نفترض بأني أعلم جزما أن الصوم واجب؛ و لكن أشك في العتق و الإطعام؛ هنا إذا أجرينا أصالة البراءة فيها سوف تسبب التضييق على المكلف بأن يتعين عليه الصوم، و هذا خلاف الغرض من جريان أصالة البراءة و هو التوسعة على العباد.
إذا: في «الصلاة في الأرض المغصوبة» لا تجري القاعدة لإمكان جريان أصل البراءة عن الحرمة التعيينية في (لا تغصب). و إحراز صحة الصلاة، فهنا لا يوجد إلا شيء واحد و هو وجوب الصلاة. و أما الحرمة الغصبية فقد ارتفعت ببركة الأصل. و شرط جريان القاعدة هو وجود وجوب و حرمة، و هنا لا يوجد- في النتيجة بعد جريان أصالة البراءة عن الحرمة التعيينية- إلا شيء واحد و هو وجوب الصلاة.
فتكون صحيحة لعدم تعارضها.
الوجه الثالث- الاستقراء: من الوجوه المرجحة للنهي على الأمر: هو الاستقراء، و تقريبه: أنه يظهر من تتبع كثير من موارد اجتماع الأمر و النهي: أن الشارع يقدم احتمال الحرمة على الأمر. و بعبارة أخرى: وجد العلماء باستقرائهم أنه كلما دار الأمر بين الوجوب و الحرمة، تجد الشارع يقدم الحرمة على الأمر. نضرب مثالين كشاهد: