المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥١٧ - تحرير محل النزاع
غيره من التأويلات. و كذا الحال على القول بالامتناع في صورة الملازمة، لتعدد متعلق الأمر و النهي وجودا أيضا. (راجع منتهى الدراية، ج ٣، ص ١٣٢).
- كما انقدح: حال اجتماع الوجوب و الاستحباب في العبادات. كالصلاة في المسجد، فإن الأمر الاستحبابي بالصلاة في المسجد يمكن حمله على الإرشاد إلى أفضل الأفراد، أي: إرشاد إلى أن الصلاة في المسجد أفضل الأفراد مطلقا يعني: على كلا القولين من الجواز و الامتناع؛ لأن محل النزاع في مسألة اجتماع الأمر و النهي هو الحكمان المولويان، لا كل حكمين و لو لم يكن أحدهما أو كلاهما مولويا، فالحكمان المولوي و الإرشادي لا إشكال في جواز اجتماعهما، فلا بأس بكون الأمر بإتيان الصلاة في المسجد إرشاديا. و على هذا: فلا يكون مثل الصلاة في المسجد دليلا على جواز اجتماع حكمين فعليين حتى يستدل به على جواز اجتماع الأمر و النهي في مسألتنا.
و الجواب الثاني: و حاصله: أنه يمكن حمل الأمر الاستحبابي على المولوي الاقتضائي الذي يراد به وجود مصلحة الاستحباب؛ لا الاستحباب المولوي الفعلي حتى يجتمع الحكمان الفعليان. و به يندفع الإشكال أيضا على كلا القولين، لأن محل النزاع في مسألة الاجتماع هو: اجتماع الحكمين الفعليين، لا الحكمين اللذين يكون أحدهما فعليا و الآخر اقتضائيا، و لا يقدح اجتماعهما مطلقا سواء قلنا بجواز الاجتماع أم لا، فيجتمع الأمر الاستحبابي الاقتضائي و الوجود الفعلي.
الجواب الثالث: أنه يمكن حمل الأمر الاستحبابي على المولوي الفعلي لكن مجازا لا حقيقة، بأن يكون عروض الاستحباب الفعلي للعبادة بالعرض و المجاز، و يكون معروض الاستحباب حقيقة عنوانا ملازما للصلاة جماعة، كما إذا فرض أن المستحب الشرعي هو اجتماع المسلمين في مكان واحد لفوائد شتى تترتب على اجتماعهم، فإذا كانت الصلاة جماعة ملازمة لهذا العنوان اتصفت بالاستحباب الفعلي المولوي مجازا.
فحاصل الجواب على اجتماع الوجوب و الاستحباب يرجع إلى وجوه ثلاثة:
الأول: حمل الأمر الاستحبابي على الإرشادي الذي هو أمر حقيقة من غير فرق فيه بين القول بجواز الاجتماع و القول بامتناعه.
الثاني: حمله على المولوي الاقتضائي، و هو أمر أيضا حقيقة، لكنه في مرحلة الاقتضاء لا الفعلية، و هو يكون فيما إذا كان ملاك الأمر اتحاد العبادة مع عنوان مستحب كالكون في مسجد.
الثالث: حمله على المولوي الفعلي، لكن تعلقه بالعبادة يكون بالعرض و المجاز، لكون متعلق الأمر حقيقة العنوان الملازم للصلاة جماعة، كاجتماع المسلمين في مكان، لكن هذا الوجه مبني على جواز الاجتماع، لتعلق كل من الأمر الوجوبي و الندبي بعنوان يخصه [١].
ثم قال صاحب الكفاية في كفايته: لا يخفى إنه لا يكاد يأتي ما ذكرناه في القسم الأول من العبادات المكروهة من كون الترك فيها متحدا أو ملازما له لا يجري في اجتماع الوجوب و الاستحباب كالصلاة في المسجد.
[١] راجع: منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ١٣٤- ١٣٦.