المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥١٥ - تحرير محل النزاع
الإرشاد إلى كون الترك من مصاديق عنوان ذي مصلحة منطبق عليه أو ملازم له، و من المعلوم: عدم المنافاة بين النهي الإرشادي و الأمر المولوي، و عدم اندراجهما في مسألة اجتماع الأمر و النهي.
و بعبارة واضحة نقول: في المثال: «الصلاة في الحمام» يوجد أمر بالصلاة و توجد كراهة الصلاة في الحمام. فيكف تكون العبادة (الصلاة) فيها مصلحة، و تكون في نفس الوقت مكروهة و فيها مفسدة؟
فكيف تكون الصلاة محبوبة و مبغوضة؟ ما هذا إلا تنافي و تضاد.
الجواب: إن النهي عن الصلاة في الحمام نهي إرشادي أي: يرشدنا هذا النهي أن الصلاة في الحمام مقترنة بمشخص غير ملائم؛ لأن «الصلاة معراج المؤمن»، و «قربان كل تقي» لا يناسبها أن تكون في الحمام، فثوابها أقل من أن تكون في المسجد و إلا هي في نفسها عبادة و مطلوبة و يوجد عليها ثواب؛ إلا أن ثوابها أقل و طلبها ضعيف حينئذ لا إشكال في البين.
القسم الثالث: ما تعلق النهي به لا بذاته بل بما هو مجامع مع العبادة وجودا، أو ملازم له خارجا.
و بعبارة أخرى: «يمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة المتحدة مع ذلك العنوان أو الملازمة له بالعرض و المجاز، أي: أنه يمكن أن يكون النهي فيه مولويا و أن يكون إرشاديا. و على الأوّل لا يسند النهي إلى العبادة حقيقة، بل عرضا، إذ المنهي عنه هو ذلك العنوان المتحد مع العبادة أو الملازم لها، فالمنهي عنه حقيقة هو ذلك العنوان، لا العبادة، و إسناد النهي إليها إسناد إلى غير ما هو له، فيكون مجازا.
و بعبارة أكثر وضوحا: القسم الثالث: إن النهي لم يتعلق بذات العبادة، بل تعلق بما يغايرها مفهوما و يتحد معها وجودا كالنهي عن الصلاة في مواضع التهمة بناء على تعلق النهي بالكون في مواضع التهمة، و اتحاده مع الصلاة على أن الأكوان كالأفعال داخلة في حقيقة الصلاة.
و أما بناء على خروجها عن حقيقتها، فالنهي حينئذ متعلق بالكون الخارج عن حقيقتها الملازم لها خارجا، فالصلاة في مواضع التهمة يمكن أن تكون مثالا للنهي عما هو متحد مع الصلاة، و منطبق عليها، و يمكن أن تكون مثالا للنهي عما هو خارج عنها ملازم لها خارجا» [١].
أجاب صاحب الكفاية في كفايته على هذا الإشكال قائلا: إن الوجوب أو الاستحباب متعلق بعنوان الصلاة، و النهي متعلق بالكون (الذي هو أمر ملازم أو متحد معها) فلا منافاة حينئذ، فالأمر تعلق بالصلاة، و النهي تعلق بشيء آخر و هو الكون في موضع التهمة، فإن المكروه حقيقة هو الكون لا الصلاة، و إنما تنسب الكراهة بالعرض و المجاز. هذا الجواب الأوّل.
الجواب الثّاني: أو نقول: هذه الكراهة إرشاد بمعنى: اختر الصلاة في مواضع غير مواضع التهمة، لأن الصلاة في مواضع غير التهمة لا هي متحدة و لا هي ملازمة مع الكون في مواضع التهمة.
- إذا: القول بجواز اجتماع الأمر و النهي مبني على كون المأمور به حقيقة هي العبادة، و المنهي عنه هو ذلك العنوان (الكون ...)، و أن إضافة النهي إلى العبادة تكون بالعرض و المجاز لكفاية تعدد العنوان في إمكان اجتماع الأمر و النهي، فعنوان العبادة هو المأمور به، و عنوان المتحد أو الملازم هو المنهي عنه، و التنافي بين الأمر و النهي يرتفع بتعدد العنوان.
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ١٢٨.