المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٠٠ - تحرير محل النزاع
أن الأحكام تتعلق بالعناوين، أو نقول: تتعلق بالمعنونات التي تتعدد بتعدد العنوان، أو أنها تتعلق الأحكام بالمعنونات التي لا تتعدد بتعدد العنوان. هذه هي الجهة الثانية.
- فالقائل بجواز الاجتماع يرجع إلى الأول، و القائل بالامتناع يذهب إلى الثاني.
- و أما جهة البحث في مسألة النهي عن العبادة فنقول: هل النهي يدل على الفساد أو لا يدل على الفساد؟ فالفرق بين المسألتين جلي و واضح جدا لاختلاف جهة البحث فيهما.
الجواب الثاني: في بيان الفرق بينهم ما ذكره صاحب الفصول حيث قال: «و حاصل الفرق بين المسألتين هو: أن الموضوع في اجتماع الأمر و النهي متعدد، لتعلق الأمر بطبيعة مغايرة للطبيعة التي تعلق بها النهي، سواء أ كانت النسبة بين الطبيعتين عموما من وجه كالصلاة و الغصب، أم عموما مطلقا كالضاحك بالفعل و الإنسان في قوله: «أكرم الإنسان و لا تكرم الضاحك بالفعل». فإن الموضوع متعدد حقيقة في كليهما أعني: الصلاة و الغصب، و الإنسان و الضاحك بالفعل. بخلاف مسألة النهي في العبادة، فإن الموضوع فيها متحد حقيقة، و التغاير إنما هو في الإطلاق و التقييد كقوله: (صلّ، و لا تصلّ في الدار المغصوبة أو اللباس كذلك)».
و الحاصل: أن الموضوع هنا متعدد حقيقة، و في النهي في العبادة متحد كذلك [١].
- الشيخ الآخوند الخرساني في كفايته رد على صاحب الفصول قائلا: اختلاف المسائل يرجع إلى اختلاف الجهة كما ذكرنا.
الجواب الثالث: الفرق الثالث بين هذه المسألة و تلك المسألة هي في مسألة اجتماع الأمر و النهي، البحث فيها عقلي يعني: عقلا هل يجوز اجتماع الأمر و النهي أم لا؟ و أما في مسألة النهي عن العبادة البحث فيها لفظي بأن نقول: النهي هل يدل على الفساد أم لا؟
صاحب الكفاية عقب على هذا الفرق بنفس التعقيب الذي أورده على صاحب الفصول و هو: أن اختلاف مسألة عن مسألة يرجع إلى اختلاف في الجهة، فإذا فرضنا أن الجهة واحدة في المسألتين لا بدّ أن نعقد مسألة واحدة، غاية ما في الأمر: مرة نبحث فيها بحثا عقلي، و مرة نبحث فيها بحثا لفظيا.
كأن نقول: هل يجوز عقلا اجتماع الأمر و النهي أم لا؟
و إذا قلنا بالامتناع و قدمنا جانب النهي نقول: هل يدل النهي عن الفساد أم لا؟
فالمسألة واحدة و البحث فيها عقلي و لفظي. و ليس دائما أن يكون النزاع في مسألة أن النهي يدل على الفساد أم لا لفظي، فبعض الأحيان النهي لا يكون مستفادا من اللفظ بل من الإجماع أو العقل، فهنا لا يوجد عندنا لفظ حتى نقول يدل على الفساد أم لا؟
الأمر الثالث: الغرض من عقد هذا الأمر إثبات كون مسألة الاجتماع من المسائل الأصولية، و إن ذكرها في علم الأصول ليس استطراديا.
وقع الكلام في مسألة اجتماع الأمر و النهي هل هي من المسائل الأصولية أو من المبادي التصديقية، أو من المبادي الأحكامية، أو من المسائل الكلامية أو من المسائل الفقهية؟
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ١٧.