المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٩٦ - الترتب (٤)
إلى فعل المهم في حال ترك الأهم، فكيف يكون داعيا إلى الجمع بين الأهم و المهم في آن واحد؟
و بعبارة أوضح: أن إيجاب الجمع لا يمكن أن يتصور إلا إذا كان هناك مطلوبان في عرض واحد، على وجه لو فرض إمكان الجمع بينهما لكان كل منهما مطلوبا، و في الترتب لو فرض محالا إمكان الجمع بين الضدين فإنه لا يكون المطلوب إلا الأهم، و لا يقع المهم في هذا الحال على صفة المطلوبية أبدا، لأن طلبه حسب الفرض مشروط بترك الأهم، فمع فعله لا يكون مطلوبا.
و أما (الثّاني): و هو الدليل على وقوع الترتب و أن الدليل هو نفس دليلي الأمرين، فبيانه: أن المفروض: أن لكل من الأهم و المهم- حسب دليل كل منهما- حكما مستقلا مع قطع النظر عن وقوع المزاحمة بينهما، كما أن المفروض: أن دليل كل منهما مطلق بالقياس إلى صورتي فعل الآخر و عدمه.
فإذا وقع التزاحم بينهما اتفاقا، فبحسب إطلاقهما يقتضيان إيجاب الجمع بينهما، و لكن ذلك محال، فلا بد أن نرفع اليد عن إطلاق أحدهما، و لكن المفروض: أن الأهم أولى و أرجح و لا يعقل تقديم المرجوح على الراجح و المهم على الأهم، فيتعين رفع اليد عن إطلاق دليل الأمر بالمهم فقط، و لا يقتضي ذلك رفع اليد عن أصل دليل المهم، لأنه إنما نرفع اليد عنه من جهة تقديم إطلاق الأهم لمكان المزاحمة بينهما، و أرجحية الأهم و الضروريات إنما تقدر بقدرها (١).
و إذا رفعنا اليد عن إطلاق دليل المهم- مع بقاء أصل الدليل- فإن معنى ذلك:
اشتراط خطاب المهم بترك الأهم. و هذا هو معنى الترتب المقصود.
و الحاصل: أن معنى الترتب المقصود هو اشتراط الأمر بالمهم بترك الأهم، و هذا الاشتراط حاصل فعلا بمقتضى الدليلين، مع ضم حكم العقل بعدم إمكان الجمع بين امتثالهما معا، و بتقديم الراجح على المرجوح الذي لا يرفع إلا إطلاق دليل المهم، فيبقى أصل دليل الأمر بالأهم على حاله في صورة ترك الأهم، فيكون الأمر الذي يتضمنه الدليل مشروطا بترك الأهم.
(١) أي: ما دامت الضرورة و المزاحمة تندفع برفع اليد عن إطلاق الأمر المهم فلا حاجة لرفع اليد عن أصل دليل المهم.