المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٩٤ - الترتب (٤)
و إنما المشكلة فيما إذا قلنا: بالنهي عن الضد و أن النهي يقتضي الفساد، أو قلنا:
بتوقف صحة العبادة على الأمر بها كما هو المعروف عن الشيخ صاحب الجواهر (قدس سره)، فإن أعمالهم هذه كلها باطلة و لا يستحقون عليها ثوابا، لأنه إما منهي عنها و النهي يقتضي الفساد، و إما لا أمر بها و صحتها تتوقف على الأمر.
فهل هناك طريقة لتصحيح فعل المهم العبادي مع وجود الأمر بالأهم؟
ذهب جماعة إلى تصحيح العبادة في المهم بنحو (الترتب) بين الأمرين: الأمر بالأهم و الأمر بالمهم. مع فرض القول بعدم النهي عن الضد و أن صحة العبادة تتوقف على وجود الأمر (١).
و الظاهر: أن أوّل من أسس هذه الفكرة و تنبه لها المحقق الثّاني، و شيد أركانها السيّد الميرزا الشيرازي، كما أحكمها و نقحها شيخنا المحقق النائيني «طيب الله مثواهم».
و هذه الفكرة و تحقيقها من أروع ما انتهى إليه البحث الأصولي تصويرا و عمقا.
و خلاصة فكرة (الترتب): إنه لا مانع عقلا من أن يكون الأمر بالمهم فعليا عند عصيان الأمر بالأهم، فإذا عصى المكلف و ترك الأهم فلا محذور في أن يفرض الأمر بالمهم حينئذ، إذ لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدين، كما سيأتي توضيحه.
و إذا لم يكن مانع عقلي من هذا الترتب فإن الدليل يساعد على وقوعه، و الدليل هو نفس الدليلين المتضمنين للأمر بالمهم و الأمر بالأهم، و هما كافيان لإثبات وقوع الترتب.
إلا امتناع اجتماع المتزاحمين عرضا، لا طولا- كما هو قضية الترتّب- فإنّ جعل أحدهما في طول الآخر رافع لهذا المحذور العقلي. فبناء على إناطة صحة العبادة بالأمر، و عدم كفاية مجرد الملاك في صحتها- كما هو مبنى القائلين ببطلان الترتب و عدم معقوليته- كانت العبادة مأمورا بها بأمر فعليّ موجب لصحتها عند ترك الأهم. ففي حال أن المكلف ترك الأهم- بناء على القول بالترتب- فإن الأمر في هذه الصورة متحقق كثبوته في حال انفراده، و عدم ابتلائه بالمزاحمة للضدّ الأهم [١].
(١) أما نحن الذين نقول: بأن صحة العبادة لا تتوقف على وجود الأمر فعلا و إن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده: ففي غنى عن القول بالترتب لتصحيح العبادة في مقام المزاحمة بين الضدين:
الأهم و المهم كما تقدم. (المصنّف).
[١] المصدر: مزج ما بين منتهى الدراية في شرح الكفاية و المتن، ج ٢، ص ٤٩٢. (بتصرف).