المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٩٣ - الترتب (٤)
فإذا قلنا: بأن صحة العبادة لا تتوقف على وجود أمر فعلي متعلق به، و قلنا: بأنه لا نهي عن الضد أو إن النهي عنه لا يقتضي الفساد، فلا إشكال و لا مشكلة، لأن فعل المهم العبادي يقع صحيحا حتى مع فعلية الأمر بالأهم، غاية الأمر: يكون المكلف عاصيا بترك الأهم من دون أن يؤثر ذلك على صحة ما فعله من العبادة.
يدعو الأمر إليها.
جواب الآخوند الخرساني على هذا الإشكال ما يلي: إنّ خروج الفرد المزاحم عن دائرة الطبيعة المأمور بها يوجب عدم داعويّة أمر الطبيعة بالنسبة إليه إذا كان الخروج للتخصيص دون المزاحمة.
و فرق بين التخصيص و بين المزاحمة، فتارة المولى يخصص الأمر بأن يقول: صل إلا الصلاة في المغصوب أو المزاحم بالإزالة، فإذا كان تخصيصا كان الإشكال، صحيح بأن الأمر بالصلاة ما صار يدعو إلى هذه الصلاة المزاحمة بالإزالة أو في المغصوب؛ لأن المولى «عزّ و جل» خصصها و أخرجها، و لازم هذا التخصيص عدم الملاك و المحبوبية في الصلاة المزاحمة أو الصلاة في المغصوب، و إذا كان لا يوجد فيها ملاك و مصلحة و محبوبية لا يمكن الإتيان بها بقصد امتثال الأمر المتوجه إلى الصلاة في غير المغصوب أو المزاحمة؛ لأنه لا يوجد فيها ملاك.
- و تارة أخرى: المولى «عزّ و جل» لم يأمر بهذه الصلاة لا لأجل التخصيص؛ بل لأجل وجود مزاحم بمعنى: أن الملاك موجود في جميع أفراد الصلاة حتى في الفرد المزاحم أي: الصلاة المزاحمة بالإزالة؛ إلا إن المولى لم يأمر بالصلاة المزاحمة بالإزالة لأجل هذا التزاحم، فهنا العقل يقول: ما دام هذه الصلاة محتفظة بالملاك يمكن الإتيان بها بقصد امتثال الأمر المتوجه لغيرها.
- قد يقال للآخوند الخرساني (قدس سره) بصحة الإتيان بالفرد المزاحم للأهم بناء على تعلق الأوامر بالطبائع، لأن الفرد المزاحم (الصلاة) و إن لم يكن بنفسه متعلقا للأمر لمزاحمته للأهم، إلا أنه بلحاظ الطبيعة الكليّة المتحققة في ضمنه يكون مأمورا بها، فإن الأمر المتعلق بطبيعة الواجب الموسع لم يرتفع بالمزاحمة بالأهم.
و أما إذا قلنا: أن الأوامر تتعلق بالأفراد فإن كلام الشّيخ الآخوند الخرساني (قدس سره) لا يتم. لما ذا؟
لأن الأمر متوجه إلى الأفراد الغير مزاحمة.
و الفرق واضح بين تعلق الأمر بالأفراد، و بين تعلق الأمر بالطبيعة؛ إذ المأمور به- بناء على تعلق الأوامر- مباين للفرد المزاحم، فلا ينطبق عليه أصلا و لا يوجد أمر بالمهم المزاحم بالأهم أصلا.
- و بناء على تعلّق الأوامر بالطبائع ليس المأمور به مباينا له، بل يشمله، لكون الفرد المزاحم من أفراد الطبيعة بما هي هي، و إن لم يكن من أفراده بما هو مأمور به.
ثم يبين صاحب الكفاية في كفايته مسألة مهمة و هي: (أن المهم في بحث الترتّب هو إثبات إمكان الأمر الترتبي. و أمّا وقوعه فلا حاجة إلى البحث عنه، بل إمكانه مساوق لوقوعه، إذ المفروض: وجود الخطابين المتزاحمين في الشرعيّات، كالأمر بالصلاة، و إنقاذ الغريق المؤمن، و المزاحمة لا تقتضي عقلا