المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٩٥ - الترتب (٤)
و عليه، ففكرة الترتب و تصحيحها يتوقف على شيئين رئيسين في الباب، أحدهما: إمكان الترتب في نفسه، و ثانيهما: الدليل على وقوعه.
أما (الأوّل): و هو إمكانه في نفسه فبيانه: أن أقصى ما يقال في إبطال الترتب و استحالته: هو دعوى لزوم المحال منه، و هو فعلية الأمر بالضدين في آن واحد، لأن القائل بالترتب يقول بإطلاق الأمر بالأهم و شموله لصورتي (فعل الأهم و تركه)، ففي حال فعلية الأمر بالمهم- و هو حال ترك الأهم- يكون الأمر بالأهم فعليا على قوله، و الأمر بالضدين في آن واحد محال (١).
و لكن هذه الدعوى عند القائل بالترتب باطلة، لأن قوله: «الأمر بالضدين في آن واحد محال» فيه مغالطة ظاهرة، فإن قيد (في آن واحد) يوهم أنه راجع إلى الضدين فيكون محالا إذ يستحيل الجمع بين الضدين، بينما هو في الحقيقة راجع إلى الأمر، و لا استحالة في أن يأمر المولى في آن واحد بالضدين إذا لم يكن المطلوب الجمع بينهما في آن واحد، لأن المحال هو الجمع بين الضدين لا الأمر بهما في آن واحد و إن لم يستلزم الجمع بينهما.
أما أن قيد (في آن واحد) راجع إلى الأمر لا إلى الضدين فواضح، لأن المفروض:
أن الأمر بالمهم مشروط بترك الأهم، فالخطاب الترتبي ليس فقط لا يقتضي الجمع بين الضدين بل يقتضي عكس ذلك، لأنه في حال انشغال المكلف بامتثال الأمر بالأهم و إطاعته لا أمر في هذا الحال إلا بالأهم، و نسبة المهم إليه حينئذ كنسبة المباحات إليه، و أما في حال ترك الأهم و الانشغال بالمهم فإن الأمر بالأهم نسلم أنه يكون فعليا و كذلك الأمر بالمهم، و لكن خطاب المهم حسب الفرض مشروط بترك الأهم و خلو الزمان منه، ففي هذا الحال المفروض يكون الأمر بالمهم داعيا للمكلف
(١) هذا الكلام ينسب إلى صاحب الكفاية المنكر لفكرة الترتب بأنّها غير ممكنة، و ذلك لمحذور الأمر بالضدين في آن واحد و هو محال؛ و ذلك لأنه بعد البناء على العصيان الأهم سوف يتوجه الأمر بالمهم، و يكون فعليا و في الآن نفسه. أيضا الأمر بالأهم فعلي لأنه مطلق غير مقيد حينئذ: سوف يتوجه أمران: أمر بالمهم و أمر بالأهم في آن واحد و هو محال؛ إلا أن هذا القول مغالطة من صاحب الكفاية، و هي مردودة باعتبار أن فكرة الترتب مبنية على التفريق بين الضدين، فحينما يأمرك المولى بالصلاة و الإزالة يأمرك بالصلاة (المهم) المشروطة بعصيانك للإزالة (الأهم) إذا: الأمر مبني على التفريق بين الضدين.