المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٠٦ - المسألة الأولى الإجزاء (٢)
و إنما وقع الخلاف- أو يمكن أن يقع- في مسألة الإجزاء فيما إذا كان هناك أمران:
أمر أول بواقعي لم يمتثله المكلف إما لتعذره عليه أو لجهله به، و أمر ثانوي إما اضطراري في صورة تعذر الأوّل، و إما ظاهري في صورة الجهل بالأوّل. فإنه إذا امتثل المكلف هذا الأمر الثانوي الاضطراري أو الظاهري ثم زال العذر و الاضطرار أو زال الجهل و انكشف الواقع؛ صح الخلاف في كفاية ما أتى به امتثالا للأمر الثّاني عن امتثال الأمر الأوّل، و إجزاؤه عنه إعادة في الوقت و قضاء في خارجه.
و لأجل هذا عقدت هذه المسألة (مسألة الإجزاء).
و حقيقتها: هو البحث عن ثبوت الملازمة- عقلا- بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري، و بين الإجزاء و الاكتفاء به عن امتثال الأمر الأولي الاختياري الواقعي.
و قد عبر بعض علماء الأصول المتأخرين عن هذه المسألة بقوله:
«هل الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء أو لا يقتضي».
و المراد من (الاقتضاء) في كلامه: الاقتضاء بمعنى: العلية و التأثير، أي: أنه هل يلزم- عقلا- من الإتيان بالمأمور به سقوط التكليف شرعا أداء و قضاء.
و من هنا تدخل هذه المسألة في باب الملازمات العقلية على ما حررنا البحث في
قطعي كما قلنا في المتن، و إنما الذي يصح أن يقال و يبحث عنه ففي جواز الامتثال مرة أخرى بدلا عن الامتثال الأوّل على وجه يلغي الامتثال الأوّل و يكتفي بالثّاني.
و هو خارج عن مسألة الإجزاء، و يعبر عنه في لسان الأصوليين بقولهم: (تبديل الامتثال بالامتثال).
و قد يتصور الطالب إن هذا لا مانع منه عقلا، بأن يتصور أن هناك حالة منتظرة بعد الامتثال الأوّل، بمعنى: أن نتصور إن الغرض من الأمر لم يحصل بمجرد الامتثال الأوّل فلا يسقط عنده الأمر، بل يبقى مجال لامتثاله ثانيا، لا سيما إذا كان الامتثال الثّاني أفضل. و يساعد على هذا التصوير: أنه قد ورد في الشريعة ما يؤيد ذلك مثل: ما ورد في باب إعادة من صلى فرادى عند حضور الجماعة: «إن الله تعالى يختار أحبهما إليه».
و الحق: عدم جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر، لأن الإتيان بالمأمور به بحدوده و قيوده علة تامة لحصول الغرض، فلا تبقى حالة منتظرة بعد الامتثال الأوّل فيسقط الأمر لانتهاء أمده كما قلنا في المتن.
أما ما ورد في جواز ذلك: فيحمل على استحباب الإعادة بأمر آخر ندبي، و ينبغي أن يحمل قوله (عليه السلام): «يختار أحبهما إليه» على أن المراد: يختار ذلك في مقام عطاء الثّواب و الأجر لا في مقام امتثال الأمر الوجوبي بالصلاة، و أن الامتثال يقع بالثّاني. (المصنّف).