المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٨ - ٤- أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح
و كذا في إدراك قبح الشيء باعتبار كونه نقصا للنفس كالجهل، أو لكونه فيه مفسدة نوعية كالظلم، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك و يستتبع ذما من جميع العقلاء. فهذا المدح و الذم إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء- باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيتين، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيين- فإنه يعتبر من الأحكام العقلية التي هي موضع النزاع.
و هو معنى الحسن و القبح العقليين الذي هو محل النفي و الإثبات.
و تسمى هذه الأحكام العقلية العامة: (الآراء المحمودة) و (التأديبات الصلاحية) (١)،
أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح: (١) ما المراد من التأديبات الصلاحيّة؟ يذكر الشّيخ محمد رضا المظفر في كتابه المنطق معنى التأديبات الصلاحية التي تسمى بالمحمودات و الآراء المحمودة. و هي ما تطابق عليها الآراء من أجل قضاء المصلحة العامة للحكم بها؛ باعتبار أن بها حفظ النظام و بقاء النوع، كقضية حسن العدل و قبح الظلم. و معنى حسن العدل: أن فاعله ممدوح لدى العقلاء، و معنى قبح الظلم: أن فاعله مذموم لديهم. و هذا يحتاج إلى التوضيح و البيان، فنقول: إن الإنسان إذا أحسن إليه أحد بفعل يلائم مصلحته الشخصية فإنه يثير في نفسه الرضا عنه فيدعوه ذلك إلى جزائه، و أقل مراتبه: المدح على فعله. و إذا أساء إليه أحد بفعل لا يلائم مصلحته الشخصية فإنه يثير في نفسه السخط عليه، فيدعوه ذلك إلى التشفي منه و الانتقام، و أقل مراتبه: ذمّه على فعله. هذا بالنسبة إلى المصلحة الخاصة و الشخصية.
- أما بالنسبة إلى ما يتعلق بالمصلحة العامة: فنجد الإنسان يصنع إذا أحسن أحد بفعل يلائم المصلحة العامة من حفظ النظام الاجتماعي و بقاء النوع الإنساني، فإنه يدعوه ذلك إلى جزائه و على الأقل يمدحه و يثني عليه، و إن لم يكن ذلك الفعل يعود بالنفع لشخص المادح، و إنما ذلك الجزاء لغاية حصول تلك المصلحة العامة التي تناله بوجه. و إذا أساء أحد بفعل لا يلائم المصلحة العامة و يخل بالنظام و بقاء النوع، فإن ذلك يدعو إلى جزائه بذمه على الأقل، و إن لم يكن يعود ذلك الفعل بالضرر على شخص الذام، و إنّما لغرض دفع المفسدة العامة التي يناله ضررها بوجه، و كل عاقل يحصل له هذا الداعي للمدح و الذم لغرض تحصيل تلك الغاية العامة.
و هذه القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء من المدح و الذم لأجل تحصيل المصلحة العامة تسمى (الآراء المحمودة) و التأديبات الصلاحية. و هي لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء. و سبب تطابق آرائهم: شعورهم جميعا بما في ذلك من مصلحة عامة.
و هذا هو معنى التحسين و التقبيح العقليين، و قد وقع الخلاف في إثباتهما بين الأشاعرة و العدلية، فنفتهما الفرقة الأولى و أثبتتهما الثانية. فإذ يقول العدلية بالحسن و القبح العقليين يريدون أن الحسن و القبح من الآراء المحمودة، و القضايا المشهورة التي تطابقت عليها الآراء لما فيها من التأديبات الصلاحية، و ليس لها واقع وراء تطابق الآراء.