شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥ - المسألة الثانية فى تقسيم الحكمة النظرية و العملية
هو الحكمة النظرية. و مثاله: علمنا بأن العالم محدث، و أن العالم له صانع، و أن الصانع قديم قادر عالم، و أن السماء كرة و أن النفس باقية.
و الثاني: هو الحكمة العملية. و مثاله: العلم بأنه كيف يمكن اكتساب الملكات الفاضلة النفسانية و ازالة الملكات الخبيثة النفسانية؟ و كيف يمكن ازالتها للمرض و تحصيلها للصحة. و كل واحد من هذين القسمين علم، الا أن الأول علم بشيء لا تأثير لنا البتة فيه، بل المقصود من معرفته: نفس تلك المعرفة فقط. و الثاني علم بشيء يكون المطلوب من تحصيل العلم به، ادخاله فى الوجود أو منعه من الوجود. و الأول هو الحكمة النظرية، و الثاني هو الحكمة العملية. مع أن كل واحد منهما فى الحقيقة: علم.
و اعلم: أن الحكمة النظرية أشرف من الحكمة العملية، لأن كل ما يعلم ليعمل، كان العلم فيه وسيلة، و العمل مقصودا. و الوسيلة فى كل شيء أحسن من المقصود. فالعلم بالأعمال يكون أدون منزلة من المعارف الالهية، و الجلايا القدسية. و ذلك يدل على أن الحكمة العملية، أدون منزلة من الحكمة النظرية بكثير. و أيضا: فاستكمال القوة النظرية أشرف من استكمال القوة العملية.
و الكتاب الالهى ناطق بحصر الكمالات الانسانية فى هاتين المرتبتين.
قال اللّه تعالى حكاية عن الخليل: «رب هب لى حكما، و ألحقنى بالصالحين» [٣] فالمراد من الحكم: تكميل القوة النظرية. و المراد من قوله: «و ألحقنى بالصالحين»: تكميل القوة العملية. و قال خطايا لموسى:
«فاستمع لما يوحى: اننى أنا اللّه. لا إله الا أنا فاعبدنى» [٤] فقوله: «لا إله الا أنا» اشارة الى كمال القوة النظرية. و قوله:
«فاعبدنى» اشارة الى كمال القوة العملية. و قال حكاية عن عيسى أنه قال: «انى عبد اللّه آتانى الكتاب. و جعلنى نبيا. و جعلنى مباركا أينما كنت» [٥] و كل ذلك اشارة الى كمال القوة النظرية ثم قال «بالصلاة
[٣] الشعراء ٨٣.
[٤] طه ١٣- ١٤.
[٥] مريم ٣٠.