شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤١ - المسألة الأولى فى تقرير الحركة فى الأين
حاصل الكلام الى أن الحركة عبارة عن حصولات متعاقبة فى أحياز متلاحقة.
و هذا هو المراد من قولنا: الحركة عبارة عن الحصول الأول فى الحيز الثاني. و هذا كلام معقول مفهوم، الا أنه يتوجه عليه سؤالان:
الأول: حصول الجسم فى الحيز الثاني نهاية الحركة و مقطعها، و انما الحركة هو انتقاله فى الحيز الأول الى الحيز الثاني.
السؤال الثاني: هو أنه لو كانت الحركة عبارة عن هذه الحصولات المتعاقبة، و كل واحد منها لا يقبل القسمة. و لو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون الجسم مركبا من أجزاء كل واحد منها لا يقبل القسمة. و ذلك يوجب القول بالجوهر الفرد.
و الجواب عن السؤال الأول: انه لا معنى لانتقال الجسم من حيز الى حيز الا هذا الذي ذكرناه. و هو أنه كان حاصلا فى الحيز الأول، ثم صار حاصلا فى الحيز الثاني، و ليس بين هذين الحصولين فى هذين الحيزين متوسط البتة. و ما ذكرتموه من أن الانتقال من الحيز الأول الى الحيز الثاني مغاير للحصول له فى الحيز الثاني، فهو عمل الوهم الكاذب و الخيال الباطل. و ذلك مما لا يلتفت اليه.
و الذي يقوى هذا الكلام و يقطع مادة هذا الخيال: أنا نقول: انه حال كونه متحركا، هل هو حاصل فى حيز أم لا؟ لم يكن حاصلا فى حيز البتة مع كونه متحيزا أو حجما. فهذا عجيب. و ان حاصل فى حيز فهو حاصل فى حيز غير معين، أو فى حيز معين. و الأول باطل، لأن ما لا تعين له فى نفسه فهو غير موجود، و ما لا يكون موجودا، امتنع حصول الجسم فيه.
فثبت: أنه حال كونه متحركا لا بد و أن يكون حاصلا فى حيز معين.
و ذلك يبطل قولهم: انه حال كونه متحركا لا يكون حاصلا فى الحيز. و لهذا التحقيق قال المحققون: الخروج عن الحيز الأول عبارة عن الدخول فى الحيز الثاني.
و أما الجواب عن السؤال الثاني و هو أنه متى كانت الحركة عبارة عن هذه الحصولات المتعاقبة، وجب أن يكون القول بالجوهر الفرد حقا:
فهذا الكلام حق لا دافع له.