شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٩٨ - المسألة الثانية
و هى غير متناهية» قلنا: لا نسلم أن الادراك فعل، بل هو انفعالا.
و ذلك لأنه لا معنى لادراك الحقائق، الا كون المدرك قابلا للصور العقلية. فيكون الادراك من باب الانفعال. و أنتم سلمتم أن الأمر الجسمانى لا يمتنع أن ينفعل انفعالات غير متناهية، بدليل: أن الهيولى قد انفعل انفعالات غير متناهية. سلمنا: أن الادراك فعل، لكن لا نسلم أن القوة العقلية تقوى على ادراكات غير متناهية. فان قلتم: الدليل عليه: أنها لا تنتهى الى مرتبة الا و يمكن بقاؤها بعد تلك المرتبة و صيرورتها مدركة لمعقولات أخر بعد ذلك. و ذلك يدل على أنها تقوى على ادراكات غير متناهية. فنقول: ان دل هذا على جواز كونها فاعلة أفعالا غير متناهية، فهذا قائم فى القوة الجسمانية، فانها لا تنتهى الى وقت الا و يجوز بقاء ذاتها بعد ذلك، و تزايد أفعالها بعد ذلك. و هذا يقتضى جواز بقاء القوة الجسمانية مدة غير متناهية. فان لم يلزم هنا لم يلزم فيما قلتم.
سلمنا: أن القوة العقلية تقوى على أفعال غير متناهية، لكن لا نسلم أن القوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية. أما قوله: «كل قوة جسمانية فانها تنقسم بانقسام محلها» قلنا: سبق الكلام عليه. سلمنا ذلك. فلم قلتم: انه محال (ل) قوله: كل القوة و جزؤها اذا ابتدءا بالفعل من مبدأ معين، فان لم ينقطع عمل الجزء، لزم أن يكون الجزء مساويا للكل فى هذا المعنى. و لا يمتنع كون الجزء مساويا للكل فى بعض الصفات و اللوازم. و انما الممتنع أن يتساوى فى جميع الأمور، فلم قلتم: انه يلزم من تساوى الكل و الجزء فى هذا الحكم تساويهما فى جميع الأمور؟ سلمنا: أن ما ذكرتم يدل على أن القوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية. لكنه معارض بدلائل تدل على جوازه:
فالأول: ان القوة الجسمانية فى وجودها و مؤثريتها، لا تنتهى الى وقت، و يمكن بقاء ذاتها و بقاء مؤثريتها بعد ذلك. و الا فيلزم أن ينتقل الشىء من الامكان الذاتى الى الامتناع الذاتى. و انه محال.