شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٦ - المسألة الثانية
ثم نقول: انا نتصرف فى صور المحسوسات و فى هذه المعانى الجزئية بالتركيب تارة، و بالتحليل أخرى. ثم نقول: انه يمكننا حمل الكليات على الجزئيات، فههنا شىء واحد هو المدرك الكليات و الجزئيات معا، لكن مدرك الكلى هو النفس، و مدرك الجزئى أيضا هو النفس.
فثبت: أن المدرك لجميع المدركات الكلية و الجزئية بجميع أنواع الادراكات: شىء واحد و هو النفس. ثم نقول: الذي يحرك بالاختيار هو الذي يقصد الى التحريك. و القصد الى الشىء مشروط بكون ذلك القاصد مقصورا لماهية ذلك المقصود، و لكونه حاكما بأنه يجب تحصيل ذلك المقصود. و عند هذا القول (فان) كل محرك بالاختيار هو قاصد لذلك التحريك. و كل قاصد أمرا من الأمور فهو شاعر بماهية ذلك المقصود، ينتج: كل محرك بالاختيار فهو شاعر بماهية ذلك الفعل.
فثبت: أن المدرك و المحرك شىء واحد. و هذا برهان قاطع فى اثبات هذا المطلوب.
و اعلم: أن هذا الفصل من أدل الدلائل على اثبات النفس الناطقة.
و ذلك لأنا نقول: الانسان شىء موصوف بكل الادراكات، بجميع المدركات. و لا شىء من أجزاء البدن كذلك، ينتج من الشكل الثاني:
أن الانسان شىء مغاير لمجموع البدن و لجميع أجزائه و هذا البرهان هو الذي عليه تعويلنا فى اثبات أن النفس جوهر مغاير لمجموع البدن، و لكل واحد من أجزائه.
الحجة الثانية فى اثبات هذا المطلوب: أن كل واحد يعلم بالضرورة أنه هو الذي أبصر المبصرات و سمع المسموعات و ذاق و لمس و تنبل و تفكر و اشتهى و غضب. و من نازع فيه فقد نازع فى أجلى العلوم الضرورية و أوضحك. و لا شك أن المشار اليه لكل واحد بقوله «أنا» ليس الا جوهر النفس، فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأفعال و بهذه الصفات:
ليس الا النفس.