شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٤ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
و أبعاد ممتدة فى جميع الجهات. و هذا محال، فالقول بحصول الخلاء خارج العالم محال.
أما المقدمة الأولى و هى قولنا: انه لو حصل الخلاء، لكان موجودا له مقدار و امتداد فى الجهات، فيدل على صحتها وجوه:
الأول: انا نعلم بالبديهة: أن الخلاء الذي يكون بمقدار ذراع، نصف الخلاء الذي يكون بمقدار ذراعين، و ثلث ما يكون بمقدار ثلاثة أذرع. و كل ما له نصف و ثلث و ربع، يكون ممسوحا بمقدار (و كل ما كان ممسوحا بمقدار) فانه لا يكون نفيا محضا و عدما صرفا. فان من المعلوم بالبديهة:
أن العدم المحض لا يكون له نصف و ثلث و ربع، و لا يكون موصوفا بالأقل و الأكثر و الزائد و الناقص و المساحة و التقدير.
و الثاني: ان الخلاء يمكن الاشارة الحسية اليه. فقال: الخلاء من هاهنا الى هناك، طوله كذا و كذا. و كل ما كان متعلق الاشارة الحسية اليه، امتنع أن يكون عدما محضا، و نفيا صرفا. و أيضا: فقولنا: من هاهنا الى هناك، اشارة الى المقدار و الطول. و هذا حكم عليه بكونه موجودا له مقدار و امتداد.
و الثالث: ان الخلاء قد يحكم عليه بأنه حصل الجسم فيه. ثم يقال:
خرج الجسم عنه و انتقل الى خلاء آخر. و الخلاء المحكوم عليه بكونه مقرا للجسم و بان الجسم قد حصل فيه تارة، و انتقل عنه الى خلاء آخر. ذلك لا يعقل فى العدم المحض و النفى الصرف. فان حصول الجسم فى العدم المحض، و انتقاله من عدم الى عدم آخر، غير معقول.
و الرابع: هو أنا اذا قلنا: الخلاء (هو) الذي من هاهنا الى هناك فقولنا هاهنا و هناك، اشارة الى فصل مشترك بينه و بين الخلاء الذي يكون خارجا عنه. كما اذا قلنا: هذا السطح من هاهنا الى هناك. فان قولنا هاهنا و هناك، اشارة الى فصل مشترك بين هذا السطح و بين السطح الخارج عنه، المتصل به. فكما أن ايقاع الفصل المشترك فى السطح يدل قطعا على كون ذلك السطح امرا موجودا، فكذلك ايقاع الفصل