شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٨٣ - المسألة الثانية
يجب أن يكون مقصورا للأشياء، و متصرفا بها ادراكا حاضرا بالفعل، لأن كل كمال يحصل منه شىء لشىء، فحصول ذلك الكمال لذلك المفيد، أولى من حصوله لذلك المستفيد. فذلك الوجود الذي هو العلة لحصول هذه المعارف و العلوم فى نفوسنا، يجب أن يكون هو أولى بأن يكون موصوفا بهذا الكمال. ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون مبدأ حدوث هذه العلوم و المعارف لبعض النفوس شيئا، و المبدأ لحصولها لطائفة أخرى من النفوس شيئا آخر؟ و ذلك لأن الجوهر الواحد كاف فى ذلك. و لا حاجة فى هذا (الى) التكثير.
فهذا ما يمكن أن يقال فى تقرير هذه المقدمات.
و أعلم: أن هذه الكلمات بعد ضم هذه الزيادات اليها فى غاية الضعف. أما الكلام المبنى على الخسة و الشرف. فقد عرفت [٢٢] أنه ليس فى غاية القوة. و أما قوله: لا يجوز أن يكون المؤثر فى حصول هذه المعارف هو اللّه- تعالى- لأنه واحد. و الواحد لا يصدر عنه الا الواحد. فنقول: و العقل الفعل موجود واحد فى ذاته، فكيف تصدر عنه هذه المعارف التي لا نهاية لها، و النفوس التي لا نهاية لها؟
فان قالوا: الصادر عنه انما هو الوجود. و الوجود شىء واحد فى نفسه، و انما يتعدد بحسب تعدد الماهيات. فنقول: هذا بناء على أن تأثير العلة الفاعلة فى وجود المعلول لا فى ماهيته. و قد أبطلنا ذلك فى سائر الكتب. ثم ان سلمنا ذلك، لكنا نقول: فاذا جوزتم ذلك، فلم لا يجوز أن يقال: الصادر عن المبدأ الأول- سبحانه- هو الوجود فقط؟ و أما تعدد الموجودات فانما يكون بحسب تعدد الماهيات و القوابل.
ثم ان سلمنا أن مبدأ هذه المعارف موجود مجرد غير اللّه- تعالى- فلم قلتم:
ان ذلك الموجود يجب أن يكون مدركا للحقائق و عالما بها؟ (ل) قوله:
«علة الكمال أولى بذلك الكمال» قلنا: هذا الكلام خطابى. و ذلك لأنه ليس كل ما كان علة لشىء، فانه يلزم كونه موصوفا بذلك المعلول.
[٢٢] و قد عرفته: ص.