شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥١ - المسألة الأولى
المسألة الأولى
لما أثبت القوة الباطنة المدركة لمعانى المحسوسات، شرع الآن فى القوة المصورة. و تقريره: أنه يمكننا أن نركب بعض الصور الخيالية مع بعض، كما اذا تخيلنا جبلا من ياقوت، و بحرا من زئبق، و انسانا له ألف ألف رأس. و يمكننا أن نركب هذه الصور الخيالية بهذه المعانى الوهمية. كما اذا حكمنا بأن هذا الشخص صديق. و هذا عدو، فاثبات [٥] هذا التركيب و هذا التحليل فعل. و أما ادراك الماهيات فانه انفعال و القوة الواحدة لا تكون فاعلة و منفعلة معا. و لما كانت تلك القوى كلها منفعلة، وجب أن تكون هذه القوة الفاعلة مغايرة لتلك القوة المنفعلة التي هى القوة المدركة. و ذلك هو المطلوب.
و لقائل أن يقول: السؤال عليه من وجهين:
الأول: هذه القوة التي تتصرف فى الصور الجزئية و المعانى الجزئية. هل تدركهما؟ فان كانت تدركهما فقد اعترفتم بأن القوة الواحدة لا يمتنع أن تكون مدركة منصرفة معا. و حينئذ يسقط دليلكم. و ان كانت لا تدركهما فمن لا يدرك شيئا كيف يمكن أن يتصرف فيه؟ و ليت شعرى كيف غفل هؤلاء القوم عن أمثال هذه السؤالات الظاهرة الجلية القريبة من كل عاقل.
الوجه الثاني [٦] ان المدرك للتصورات الكلية و التصديقات الكلية، ليس الا النفس. و النفس جوهر مجرد واحد، ليس فيه أجزاء و لا أبعاض، حتى يقال: صاحب التصورات شىء، و صاحب التصديقات شىء آخر.
و اذا ثبت هذا فنقول: التصورات ادراكات. و أما التصديقات فهى عبارة عن تركيب تلك التصورات و تحليلها. ثم ان هذين الأمرين يستقل بهما جوهر النفس من غير تعديد القوى و الأجزاء فيه. و اذا جاز ذلك فى الكليات، فلم لا يجوز مثله فى الجزئيات؟
[٥] فاذا ثبت: ص.
[٦] السؤال الثاني: ص.