شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٥ - المسألة الثالثة
قال الشيخ: «فان كان اذا خالط الهواء قليله، احال الهواء آلة الادراك، كان يجب اذا كثر الناظرون أن يرى كل واحد منهم أحسن مما لو انفرد، لأن الهواء يكون أكمل انفعالا للكيفية المحتاج اليها فى أن يكون آلة»
التفسير: اعلم: أن الدلائل الثلاثة التي تقدم ذكرها انما يمكن إيرادها على من يقول: شرط حصول الابصار أن يخرج من العين شعاع و يتصل ذلك الشعاع بالمرئى. و قد ذكرنا: أن المحققين من القائلين لا يقولون بذلك. فأما قول من يقول: شرط حصول الابصار هو أن يخرج من العين شعاع و يتصل بالهواء المتصل بالمرئى، فتلك الاماصة الثلاثة لا يتوجه عليها البتة، و أما الذي ذكره فى هذا الفصل فانما ذكره لابطال هذا المذهب. و تقريره: أن الشعاع الخارج من العين لو أحال هذا الهواء الى كيفية صالحة لأن يحصل عندها الابصار، لكان كل ما كان الناظرون أكثر، كان ذلك أقوى و أشد. و كان يجب أن يكون الابصار أكمل. و لما لم يكن كذلك، علمنا: ان هذا المذهب باطل.
و لقائل أن يقول: هذا الكلام فى غاية الضعف و بيانه من وجوه:
الأول: أن الهواء الذي يكون متصلا بالثقبة العينية التي فى عين «زيد» يستحيل أن تكون ذلك الهواء بعينه المتصل [١٧] بالثقبة العينية التي فى عين «عمرو» و اذا كان كذلك فتأثير عين زيد فى جزء من الهواء و تأثير عين «عمرو» فى جزء آخر من الهواء مغاير للاول، و لا تعلق لأحدهما بالآخر، و اذا كان الأمر كذلك فههنا لم يجتمع على المنفعل الواحد فاعلون كثيرون. فثبت: أن الذي قالوه باطل ضعيف.
الثاني: ان الانسان اذا نظر الى السراج شاهد بين عينيه و بين ذلك السراج خطين من الشعاع ممتدين من ناظره الى ذلك السراج.
و كل عاقل يعلم بالضرورة: أن الخط الشعاعى الممتد من ناظره الى السراج مغاير للخط الشعاعى الممتد من ناظر غيره الى ذلك السراج،
[١٧] متصلا: ص.