شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٩٤ - المسألة الأولى فى بيان أن الأجرام الكوكبية مؤثرة فى هذا العالم
قربها و بعدها من سمت الرأس، تحصل الفصول الأربعة، و بسبب اختلاف الفصول الأربعة، تختلف أحوال هذا العالم.
أما أن أحوال هذا العالم تختلف بحسب اختلاف أحوال القمر، فقد ذكر «الشيخ» هاهنا أمورا ثلاثة:
أولها: اختلاف أحوال المد و الجزر فى البحار، بسبب اختلاف أحوال القمر، و زيادة نوره.
و ثانيها: زيادة الأدمغة عند ازدياد نوره، و انتقاصها عند انتقاص نور القمر.
و ثالثها: اختلاف أحوال الثمار بسبب اختلاف أحواله. و أما أن أحوال هذا العالم تختلف بسبب اختلاف أحوال سائر الكواكب، فاثبات هذا المطلوب يستدعى مزيد تدقيق. و الاستقصاء فيه مذكور فى «السر المكتوم» الا أن هاهنا نذكر نكتا لطيفة:
أولها: ان الشمس حيث ما تكون فى البروج الصيفية، لو قارتها كوكب حار المزاج، قوى الحر فى الهواء جدا، و لو قارنها كوكب بارد المزاج، ضعف الحر فى الهواء جدا. و لهذا السبب قد يكون صيف فى غاية الحر، و صيف آخر ناقص الحر. و ذلك يدل على هذا المطلوب.
و ثانيا: ان هذه الكواكب نيرة، و لا شك أن الاضاءة و الانارة يوجبان السخونة. و لو لا تأثير أضوائها فى الليالى، و الا لكانت الظلمة خالصة.
و ثالثها: اعتبار الأحوال النجومية تدل على ذلك. فثبت: أن أحوال هذا العالم تختلف باختلاف أحوال النيرات الفلكية. و اذا ثبت هذا وجب أن يكون بها و لأجلها. أما لأن الدوران يفيد الظن، أو للكلام الفلسفى المشهور. و هو أن الفيض العام لا يتخصص الا لأجل تخصيص القوابل. و تخصيص القوابل لا يكون الا بسبب الحركة الدائمة الدورية.
و تمام تقرير هذا الوجه مشهور فى «الحكمة» [٣] و مذكور بالاستقصاء فى «السر المكتوم»
[٣] أى كتب الطبيعة و الفلسفة.