شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٧ - المسألة الثالثة
باردة، و لا يصل اليها تأثير الأرض المسخنة. و لهذا السبب يكون ذلك الهواء فى غاية البرد.
و اعلم: أن لنا فى هذه المسألة أبحاثا دقيقة ذكرناها فى «الملخص» و فى «المباحث المشرقية» و نكتفى هاهنا من تلك الكلمات بسؤال واحد.
و هو أنا نجد اليوم الذي يكثر فيه المطر ضعيف البرد، و اليوم الذي لا يكون فيه شىء من المطر، بل يكون الصحو التام حاصلا فيه، قوى البرد. و لو كان سبب برد الهواء ما ذكرتم، لكان الأمر بالعكس.
أما الذي اخترته أنا فطريق آخر، و هو أنا نقول: الجسم الملاصق للفلك يجب أن يكون فى غاية السخونة بسبب قوة الحركة الفلكية، و الجسم الذي يكون فى غاية البعد عن الفلك- و هو الجسم الحاصل فى المركز- يجب أن يكون فى غاية البرد، بسبب انقطاع تأثيرات الحركة الفلكية عنه، فالجسم الملاصق بمقعر للفلك يجب أن يكون أسخن الأجسام، و الجسم الذي يكون فى المركز، يجب أن يكون أبرد الأجسام.
و اذا عرفت هذا فنقول: السخونة موجبة للطافة، و البرودة موجبة للكثافة. و لما كان أسخن الأجسام هو الجسم الملتصق بمقعر الفلك، يجب أن يكون ألطف الأجسام هو ذلك. و لما كانت البرودة موجبة للكثافة، وجب أن يكون الجسم الحاصل فى مركز العالم أكثف الأجسام. و على هذا الترتيب يجب أن يكون أسخن الأجسام و ألطفها هو النار. و الذي (يكون) تحت النار، يجب أن يكون أقل سخونة و (أقل) لطافة من النار و هو الهواء. و الذي تحت الهواء يجب أن يكون أقل سخونة و لطافة.
و متى كان كذلك كان أكثر برودة و كثافة. و ذلك هو الماء. فأما الأرض فلكونها فى غاية البعد يجب أن تكون أبرد الأجسام و أكثفها و أصلبها.
و هذا هو المختار عندى فى هذا الموضع، و الاستقصاء فى تفاريع هذا الباب مذكور فى «الطب الكبير» و فى كتاب «الهدى»