شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨ - المسألة الرابعة فى اقسام العلوم النظرية
و رابعها: هو الشىء الذي تارة يكون فى المادة، و اخرى يكون مجردا عن المادة. و ذلك مثل الوحدة و الكثرة و الكلية و الجزئية و العلية و المعلولية و الكمال و النقصان. فان هذه المعانى تارة توجد فى المجردات و تارة فى المجسمات.
ثم هاهنا يختلف الكلام. فمن زعم أن العلوم النظرية ثلاثة، ضم هذا القسم الى القسم الثالث. و سمى مجموعهما بالعلم الالهى، تسمية للعلم باشرف أسمائه و أعز أقسامه. و من زعم أن العلوم النظرية أربعة سمى هذا القسم الرابع بالعلم الكلى، لأنه بحث كلى عن لواحق الوجود، من حيث أنه موجود. و لما اختار «الشيخ» فى هذا الكتاب أن أقسام الحكمة النظرية ثلاثة، لا جرم جمع هذين القسمين فى الفلسفة الأولى.
فقال: «و حكمة تتعلق بما وجوده مستفن عن مخالطة التغير، فلا يخالطها اصلا، و ان خالطها فبالغرض، لا أن ذاتها مفتقرة فى تحقق الوجود اليها.
و هى الفلسفة الأولى» و المراد بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير:
هو الذي قلنا: انه يمتنع حصوله فى المادة. و المراد من قوله: «و ان يخالطها فبالعرض: لا أن [١٧] ذاتها مفتقرة فى تحقيق الوجود اليها» فالمراد منه ما سميناه بالعلم الكلى. و ذلك لأن الوحدة لما حصلت تارة فى المفارقات و المجردات، و أخرى فى الجسمانيات، علمنا: أن الوحدة لما هى هى، غنية عن هذه المواد الجسمانية، و الا لامتنع حصولها عند عدم هذه المواد الجسمانية. و لما حصلت مع عدمها، علمنا أنها غنية عن هذه المواد الجسمانية، فلا جرم وجب الحاق هذا القسم بالمجردات، و تسميته باسم واحد. و هو الفلسفة الأولى.
و اذا عرفت نهج هذا التقدير فى الوحدة، فاعرف مثله فى العلية و المعلولية و الكلية و الجزئية و أمثالها.
و أما تفسير الألفاظ: فأما قوله: حكمة تتعلق بما فى الحركة و التغير من حيث هو فى الحركة و التغير. فالمراد منه: أن الذي فى الحركة و التغير
[١٧] لأن: ص.