شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٩ - المسألة الخامسة فى بيان أن كل جسم فانه لا ينفك فى ذاته عما يكون مبدأ للحركة
التفسير: انه أثبت فيها تقدم: أن الزمان ليس له أول و لا آخر، و أثبت: أنه مقدار الحركة، و انتج منهما: اثبات حركة ازلية أبدية. ثم بين أن كل حركة فلا بد لها من محرك. ثم بين أن المحرك لا يجوز أن يكون قسريا، و الا لزم اثبات أجسام لا نهاية لها. و ذلك باطل. و لا يجوز أن يكون طبيعيا، لما ثبت أن القوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية.
فالقوة القوية على تلك الحركة الأزلية الأبدية، يجب أن لا تكون جسمانية. و ذلك يدل على أن موجد هذه الحركة الأزلية الأبدية، لا يمكن أن يكون جسما و لا حالا فى الجسم أصلا. و هذا هو الطريق المشهور فى اثبات أن مدبر العالم الجسمانى لا يكون جسما و لا جسمانيا. و لما ثبت ذلك يوجب أن لا يكون متحركا و لا ساكنا.
أما أنه ليس بمتحرك فظاهر. و أما أنه ليس بساكن، فلأن السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك. و الذي من شأنه أن يتحرك هو الجسم أو الجسمانى. فاذا لم يكن جسما و لا جسمانيا، لم يكن من شأنه أن يتحرك، و اذا كان كذلك، امتنع كونه ساكنا.
المسألة الخامسة فى بيان أن كل جسم فانه لا ينفك فى ذاته عما يكون مبدأ للحركة
قال الشيخ: «الأجسام لا تخلو فى طبيعتها من مبدأ حركة.
و ذلك لأن كل جسم أما أن يكون قابلا للنقل عن موضعه الطبيعى أو غير قابل. فان كان قابلا فهو قابل للتحرك المستقيم، فلا يخلو اما أن يكون فى طباعه مبدأ يميل الى مكانه الطبيعى أو لا يكون. لكنا شاهدنا بعض الأجسام فى طباعها ميل الى جهة من الجهات. و كل ما اشتد الميل قاوم المحرك بالقسر حتى تتفاوت النسب بتفاوت ما فيها من قوة الميل. فان كان جسما لا ميل فيه قبل حركة قسرية. و كل حركة- كما علمت- فى زمان، كان لزمان تلك الحركة نسبة الى زمان حركة جسم ذى ميل فى طباعه بالقسر، يكون فى مثله حركة جسم ذى ميل، لو قدر نسبة مثله