شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤٥ - المسألة الثامنة فى ذكر الأجوبة عن دلائل القائلين بأن الزمان يمتنع أن يكون مقدار الحركة
الحركة، استدلوا على صحة قولهم بحجة رابعة. و هى: انا كما حكمنا بأن هذه الحركة وجدت فى هذا الزمان، فكذلك نحكم بأن هذا الجسم وجد فى هذا الزمان. و لا نجد فى العقل تفاوتا بين قولنا: حصلت هذه الحركة فى هذا الزمان، و بين قولنا: حصل هذا الجسم فى هذا الزمان.
و اذا كان كذلك، كان نسبة الزمان الى الحركة كنسبته الى الجسم، و ذلك يمنع من كون الزمان مقدار الحركة.
و اذا عرفت هذا فنقول: الذي ذكره «الشيخ» فى هذا الفصل بصلح أن يكون جوابا عن هذا الكلام. و تقريره: أن يقال: الجسم الطبيعى فى الزمان لا لذاته، بل لأنه فى الحركة. و الحركة فى الزمان. و اعلم:
أن هذا الكلام فى نهاية الضعف. و ذلك لأن الزمان لما كان مقدار الحركة، كان عرضا موجودا فى الحركة، و الحركة عرض موجود فى الجسم، فيلزم أن يكون الزمان موجودا فى الموجود فى الجسم، فيلزم أن يكون الزمان موجودا فى الجسم. و هذا البيان يظهر كون الزمان موجودا فى الجسم، و لا يظهر منه معنى كون الجسم موجودا فى الزمان.
و البحث انما وقع عن معنى قولنا: الجسم موجود فى الزمان. و الكلام الذي ذكره يقتضى كون الزمان موجودا فى الجسم. و ذلك من الأعاجيب.
قال الشيخ: «ذوات الأشياء الثابتة من جهة، و ذوات الأشياء الغير ثابتة من جهة، و الثابتة من جهة اذا أخذت من جهة ثباتها، لم تكن فى الزمان، بل معه. و نسبة ما مع الزمان و ليس فى الزمان، الى الزمان هو الدهر. و نسبة ما ليس فى الزمان الى ما ليس فى الزمان من جهة ما ليس فى الزمان الأولى (به) أن يسمى السرمد. و الدهر فى ذاته من السرمد، و بالقياس الى الزمان: دهر [١٠]»
التفسير: القائلون بأن الزمان لا يجوز أن يكون عبارة عن مقدار
[١٠] انظر فى الدهر و السرمد: الكتاب الرابع من كتاب المطالب العالية من العلم الالهى تأليف الامام فخر الدين الرازى.