شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤٣ - المسألة الثامنة فى ذكر الأجوبة عن دلائل القائلين بأن الزمان يمتنع أن يكون مقدار الحركة
قال الشيخ: «و كما ان الشىء الذي فى العدد، اما مبدؤه كالوحدة (و اما) قسيمه كالزوج و الفرد، و أما معدوده. كذلك الشىء فى الزمان. منه ما هو مبدؤه كالآن. و منه ما هو جزؤه كالماضى و المستقبل.
و منه ما هو معدوده و مقدره. و هو الحركة»
التفسير: القائلون بأن الزمان لا يجوز أن يكون عبارة عن مقدار الحركة، استدلوا على صحة قولهم بحجة ثالثة. و تقريرها أن نقول:
لو حصل لمقدار الحركة وجود، لكان اما أن يكون حاصلا فى الحال أو فى الماضى أو المستقبل. و الأول باطل، لأن الحال الحاضر لا يقبل الانقسام. و الزمان منقسم. و حصول المنقسم فى غير المنقسم محال.
و الثاني و الثالث محال لوجهين:
الأول: هو أن الماضى و المستقبل معدومان. و لا شىء من المعدوم بموجود. ينتج: فلا شىء من الماضى و المستقبل بموجود.
و الثاني: هو أن الماضى هو الذي كان حاضرا ثم انقضى. و المستقبل هو الذي يتوقع حضوره، الا أنه لم يحضر. و لكن الحاضر من الآنات المتتالية، ليس الآن الذي لا ينقسم. فالماضى و المستقبل ليس الا الآنات الحاضرة، فيلزم كون الزمان مركبا من الآنات المتتالية. و ذلك عند القوم محال. فثبت: أن مقدار الحركة لو كان موجودا، لكان وجوده اما أن يكون فى الحال أو فى الماضى أو فى المستقبل، و ثبت أن كل هذه الأقسام باطل، فيلزم أن يقال: لا وجود لمقدار الحركة. و هذا كلام قوى فى الالزام على الفلاسفة.
و اذا عرفت هذا فنقول: الكلام الذي ذكره «الشيخ» فى هذا الفصل يصلح أن يكون جوابا عن هذه الحجة. و تقريره: أن يقال: ليس الآن جزءا من أجزاء الزمان، بل هو مبدأ لحصول الزمان. و ذلك لأن الآن شىء غير منقسم، ثم انه بسيلانه و حركته يفعل الزمان، كما أن النقطة تفعل بسيلانها و حركتها الخط. و الزمان هو الذي ينقسم الى الماضى