من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٧ - وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب
أما والآن وقد عرفنا أن هذه الأوثان التي كانت تعبيرا عن نزعات نفسية شاذة ومنحرفة جرت المزيد من الويلات على البشرية، فكم ارتكبت باسمها الجرائم وكم سوغت باسمها المجازر، وكم أشعلت نار الحروب الضارية ولا تزال.
وقد بين ربنا على لسان محطم الأصنام إبراهيم عليه السلام أن اتخاذ الأصنام إنما كان لأجل تحقيق مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فالهدف هو إيجاد العلاقة، ثم أوضح أن الكفار سوف يتبرؤون من بعضهم يوم القيامة.
ومن هنا نعرف العلاقة بين الآية الأولى والثانية في هذا السياق، إذ إن رفض الإسلام للمودة الوثنية يقابله تشجيعه على المودة الرحمانية، القائمة على أساس التوحيد. فكما حارب إبراهيم الوثنية آمن به لوط، ورزقه الله إسحاق ويعقوب، ومن ورائهما الأسباط، والتجمع الإيماني، ذلك التجمع الذي باركه الله في الدنيا، حيث أعطي جزاء إبراهيم عليه السلام وافيا، وفي الآخرة أدخله في الصالحين. أولئك الذين لا يتبرأ بعضهم من بعض.
أي تجمع يباركه الإسلام؟ وهل كل تجمع مفيد؟ وعلى أي أساس؟.
إن التجمعات اليوم قائمة على محاور وثنية، كالتجمع حول (وثن الوطنية، أو صنم الإقليمية، أو القومية، أو العنصرية، أو الطبقية) هذه الأوثان التي قد يرمز لها بعلم، أو شخص (طاغوت) أو مسميات أخرى (الجندي المجهول، أو تمثال الحرية، أو تمثال الفيل، أو التمساح، أو أبي الهول، أو شجرة الأرز).
ولا تعني هذه الرموز حين تكون شعاراً للجماعة سوى النزعة الصنمية، ذلك لأن أولئك الذين كانوا يقدسون الأصنام في الجاهلية، التي كانوا يصنعونها من التمر ثم يأكلونها إذا جاعوا، هل كانوا يعتقدون فعلا أنها آلهتهم؟!.
كلا .. فلو كانوا يعتقدون حقيقة أنها آلهتهم لم يأكلوها عندما يجوعون. إنهم كانوا يزعمون أنها رمز تجمعهم، لذلك كانت كل قبيلة لها صنمها الخاص.
بينات من الآيات
[٢٥] وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا حيث اتخذتم وثنا يكون رمزا لعلاقاتكم في الحياة الدنيا، بيد أن هذه العلاقات غير ثابتة لأنها منبثقة عن النزعات النفسية التي تتبخر عند الموت، فحينما ينزل ابن آدم إلى قبره يودعه على حافته ماله، وعياله، و ذويه، وانتماءاته الحزبية، وولاءاته السياسية، ليواجه مصيره وحده.