من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - وجاهدهم به جهادا كبيرا
إذن فالجريمة ليست من الطغاة وحدهم، بل للشعوب المستسلمة نصيب وافر من المسؤولية أيضاً.
[٥٦] الرسول ينذر ويبشر والناس يتحملون مسؤوليتهم. وإذا ساد الظلام أمة من الناس ينتمون ظاهرا إلى رسالة إلهية فلا يعني أبدا أن في رسالات الله نقصا .. بل أنهم هم المسؤولون لأنهم تركوا العمل الجاد بها، و تحمل مسؤولية القيام في وجه الطغاة.
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً إذا تسلط الطاغوت، فإن البعض يحاول أن يلقي باللوم والمسؤولية على كاهل المصلحين، ثم ينتظرها الخلاص بهم.
فكما ليس من الصحيح أن ينتظر الناس الرسول أن يجاهد الطاغوت وحده، ليس من الصحيح أيضاً أن تنتظر الأمة الإسلامية اليوم وفي كل العصور، الطليعة الرسالية أن تقوم بهذا الدور، ذلك أن دور الرسل- كما المصلحين تبعاً للرسل- هو قيادة حركة الناس وتوجيهها، لا القتال نيابة عن الناس، كما كان بنو إسرائيل ينتظرون من نبيهم موسى عليه السلام فلما جاءهم وحملهم مسؤولية الجهاد قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا (الاعراف: ١٢٩).
فالمصلحون المؤمنون يبذلون أقصى الجهود، في مختلف المجالات لمجاهدة الطواغيت متحملين في سبيل ذلك التبعات، من السجن والتعذيب والإعدام، ولكن لا يجوز للناس أن يكونوا متفرجين.
لأن مسؤولية الطليعة من حملة الرسالة هي مسؤولية الرسول نفسها، أي تبليغ الرسالة للناس وقيادة المعركة وعلى الناس المقاومة والوقوف في وجه الفساد والانحراف.
[٥٧] قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إن الرسل ومن يمثلهم عبر التاريخ لا يطالبون الناس أجرا مقابل بما يقدمون لهم من خدمة البشارة والإنذار، سوى إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا هذا في ما يخص الناس.
[٥٨] أما في ما يخص الرسول وحملة الرسالة فإن واجبهم السير في الطريق رغم الصعاب، بالتوكل على الحي القيوم، دون التفات لقلة الأنصار حولهم، أو مدى الطاعة والرفض من قبل الناس.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ فإذا اعتمد البعض على قوة بشرية فإن المؤمن يعتمد على الله الذي لا يموت، ولا يعتمد حتى على الأنصار والأصحاب، فقد تزل قدم هؤلاء أو تعثر فييأس ويترك الجهاد.