من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٠ - وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها
نعمة نعمة أخرى أعظم منها، في سلسلة متصاعدة ويكون المنتهى فيها ما قاله عز وجل إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق: ٨].
والشكر الحقيقي هو الذي يوصل الإنسان إلى التفكير في عوامل النعم و أسبابها، وبالتالي المحافظة عليها لتدوم له النعم، حيث إن بقاءها مرهون ببقاء عواملها، فظاهرة الصحة- هذه النعمة- باقية مادامت الوقاية، ومادامت سلامة النفس والحركة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى نجد موقف الكفر، والذي يتلخص في ثلاثة أمور هي
الأول: عدم الاهتمام بعوامل النعمة.
الثاني: عدم السعي لتحقيق أهدافها.
الثالث: اتخاذ الموقف الخاطئ منها.
وفي هذا الدرس نجد معالجة عميقة لهذين الموقفين- الشكر والكفر- فمع أننا لا نجد هاتين الكلمتين إلا إن الآيات- من هذا الدرس حتى قصة قارون- تحدد للإنسان الموقف السليم من النعمة.
إن أهل مكة من العرب كانوا يتصورون أن النعمة التي يتقلبون فيها ناشئة من الواقع القائم، حيث عبادة الأصنام، وفرض السيطرة على العرب من خلال الموقع الاقتصادي والاجتماعي، لذلك لم يكونوا يريدون الإيمان بالرسول صلى الله عليه واله خوفا من تمرد العرب ضدهم، وبالتالي خسران هذه المكتسبات، فأجابهم الله
أولًا: إنكم لم تعرفوا السبب الحقيقي للنعمة. إنه إرادة الله، وحكمه الذي قضى بحرمة البيت، وهكذا إذا تمسكوا بسائر أحكام الله نزلت عليهم البركات لا تلك القيم الفاسدة التي تتصورونها، وبالتالي فإن الإيمان به و برسوله سوف يزيد هذه النعمة ويحافظ عليها.
ثانياً: إن النعم قد تكون نقمة على صاحبها، وذلك عندما تخدعه و تدعوه للغرور، فكم هي القرى التي تصاعدت في مدارج النعم المادية إلى أن بطرت معيشتها فدمرها الله بسبب كفر أهلها، بعد أن أقام الله عليهم الحجة ببعث رسله وأنبيائه، وإذ يشير الله إلى ما آلت إليه تلك القرى، فإن في ذلك إنذارا لأهل مكة.
ثالثاً: ثم لو افترضنا جدلا أنها لم تكن من عند الله، فإن دعوة القرآن لهم ليست من أجل الرخاء المادي فحسب، بل من أجل نعيم الآخرة الذي لا يحصى أيضا، ولو أنهم خسروا هذا النعيم المحدود بسبب إيمانهم بالرسالة، فإن الله سيعوضهم ما هو أفضل منه في الدار الآخرة،