من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٦ - ثم جعلنا الشمس عليه دليلا
جعفر عليه السلام في قوله عز وجل أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ فقال
«الظِّلِّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ» [١].
وإذا سميت شبح الأشياء ظلا فلأن شعاع الشمس يمتد إليه. ونسأل: ماذا يرى الناس من ظل الشمس؟.
لا يرون إلا نورا منبعثا منها منبسطا على الأرض، وهو في انقباض وانبساط بمشيئة الله فبين الحين و الآخر يتبدل النهار ليلا والليل نهارا، وكل ذلك آية دالة على وجود الشمس.
إننا نؤمن بالشمس، دون أن نرى غير ظلها، الذي نعرف من خلاله طبيعتها وقوتها، ومدى دفئها، كما لو كانت الشمس هي التي نراها، وكذلك عن طريق أسماء الله وآياته في الكون يجب أن نعرف ربنا ونتيقن يقينا راسخا به، وكما أن الشمس هي دليل الظل بإذن الله وليس العكس، كذلك الرب هو الدليل إلى ذاته بذاته، و بآياته وأسمائه وليس العكس.
أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً وذلك بوقف دوران الأرض لتبقى في ليل دائم، أو نهار مستمر.
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا تتماوج التعابير والإيحاءات القرآنية لتبث حزمة نور إلى القلب وتوصل الإنسان إلى غيب الحقائق، فما نراه ظل للشمس، وآية من آيات الله، فلماذا عن طريق الظل نكتشف الشمس ولا نعرف وجود الله؟!.
فالمؤمن يعيش محاطا بمعرفة الله، لأنه أنى ينظر يجد آيات الله الواضحة، مما يزيده إيمانا إلى إيمانه، فإن رأى الجمال والكمال قال سبحان الله، وإن رأى العظمة والقدرة قال الله أكبر. ولعل الآية توحي إلى التشابه بين شمس الطبيعة وشمس الوحي، وأن الذي جعل الشمس دليل الظل أوحى بالرسالة لتكون هدى ونورا.
[٤٦] ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً وهنا تتجلى هيمنة الله، وكيف أنه ينشر الظل، ثم يقبضه بصورة سهلة وميسرة، دون نصب وتعب تعالى الله عن ذلك.
[٤٧] بين ساعة وأخرى يرتدي الكون ظلمة الليل، ويتوقف كل شيء في مكانه، فالنور المنبعث من السماء يخفت، وزرافات الحيوانات المنطلقة من هنا وهناك تعود إلى مهاجعها، وأسراب الطيور تؤوب إلى وكورها، و يعود الإنسان إلى بيته يبحث عن ملجأ يأوي إليه وكأنه يخشى من شيء غريب. وبعد لحظات يرى الإنسان الذي كان كتلة من النشاط، قد تراخى على
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ١١٥.