من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - انظر كيف ضربوا لك الأمثال
بكل معنى الكلمة، وحين يدعو شخص أحدا إلى فكرة فإما يرفض أو يقبل، وأما أن يعلن الحرب ضده، ويتهمه بالجنون، فإنه الظلم ذاته؟، لأن عدم اقتناعه بالدعوة- لو افترضناه- لا يسمح له أن يمنع الناس من قبولها.
[٩] عندما بدل الكفار المقاييس، ضربوا الأمثال لمقاييسهم الخاطئة، حيث أرادوا الرسول قيادة كقياداتهم، كي يستجيبوا له، فطالبوا بملك كرمز لقيادة أصحاب القوة، أو كنز كرمز لقيادة أصحاب الثروة، أو جنة كرمز لقيادة أصحاب الأرض، ولكن ماذا كانت تبعة هذا الخطأ الفادح؟، إنها الضلالة لا غير انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا.
وحينما قاسوا قيادة الرسول بالقوى المادية، حرموا أنفسهم من فهم الحقيقة، ولا سبيل لهدايتهم مادامت الأفكار الجاهلية تستبد بعقولهم.
[١٠] تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً إذا شاء الله جعل للرسول جنات وقصورا ولكن أين كل ذلك؟.
قال بعض من المفسرين: إن المراد من ذلك- جنات وقصورا- في الدنيا وذلك محتمل، إلا إن الأفضل القول: بأن ربنا يذكر بالآخرة، فليست الدنيا آخر المطاف بالنسبة للإنسان.
لهذا جاء الرد الإلهي بأن الرسول كريم على الله وهو يحبه، ولكنه لا يعطي له الدنيا جزاء لعمله، لعدم كونها في مستواه، بما فيها من زخرف وزينة، وكذلك يتعامل الله مع المؤمنين، ويسند هذا الرأي قوله تعالى مباشرة بعد هذه الآية
[١١] بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً فهم إنما اقتصروا في مقاييسهم على الدنيا لتكذيبهم بالعالم الآخر، وما جزاؤهم سوى السعير.
إن آيات الذكر تعالج الأمراض النفسية التي تصيب القلب وتمنع عنه الرؤية. أرأيت من غرق في لجة، و تكاثفت عليه الأمواج، هل يقدر على الاستقرار، أو السيطرة على نفسه. كذلك الذي تتقاذفه أمواج الشهوات، و تعصف به عواصف العداوة والغيظ.
فلكي يستقر هذا القلب الذي يتقلب على كف الشهوة والغضب، حتى يفكر بموضوعية، ويستضيء بنور العقل المودع فيه، ويعود إلى فطرته التي خلق عليها، لابد له من مرساة يحفظ سفينته عن هيجان الأمواج. لابد له من قوة تصونه من التقلبات. وإن الإيمان بالساعة لهو تلك المرساة وإنه لتلك القوة.
الإيمان بالساعة يعطي النفس موضع استقرار ينطلق منه نحو تقييم سائر الأشياء، إنه