من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٦ - وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين
فالإنسان مرهون بعمله.
[١٣] وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ كل مخطئ يتحمل خطاياه بقدر عمله ونيته، ويحمل مع أوزاره أوزار من تبعوه وزر السنة السيئة والدعوة إليها ووزر عمل الأتباع، وهذا التحمل لا ينتقص من مسؤولية الذين اتبعوهم.
إن كل خطيئة تتحول يوم القيامة إلى غل يناط بعنق المذنب، فكم سيحمل الجاني المضلل من أغلال يوم القيامة؟! وسيواجهون يوم القيامة ويسألون عن افتراءاتهم بأنهم يتحملون الخطايا عن أتباعهم ليغروهم للضلالة. وسيرون أن لكل من الضالين والمضلين نصيب من العذاب.
إن من يظلم إنساناً، أو لا يعطي حقا من حقوق الله كالزكاة أو الخمس، أو يغتصب أرضا فإن ذلك يتحول إلى ثقل يحمله على ظهره يوم القيامة. وفي الحديث: روى الطبرسي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
«مَا مِنْ رَجُلٍ لَايُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ فِي عُنُقِهِ شُجَاعٌ [١] يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [٢].
ثم يذكرنا الرب- مرة أخرى- بقصة نوح فإبراهيم، ويعود السؤال إلى أذهاننا: لماذا هذا التكرار؟ ونقول: إن الحوادث التي خلدها القرآن كانت ذات أهمية قصوى، فليست حادثة الطوفان، أو مجمل قصص إبراهيم وسائر المسلمين هينة نسمعها مرة و نمضي عنها، لا بد أن تحفر في قلوبنا، وتتحول إلى وعي إيماني عميق، يسمو بالبشرية أبدا إلى التكامل المعنوي، وهكذا يكرر الذكر هذه الظواهر المرة تلو الأخرى، ويعتصر منها عبرها وآياتها وحكمها، ويلعن الظالمين ليصبحوا عبرة، ويكرم أنبياءه الكرام ليصبحوا أئمة و هداة.
[١٤] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً ورغم هذه المئات التسع والخمسين سنة لم يؤمن قوم نوح به، فاضطر عليه السلام أن يدعو ربه لينزل عليهم العذاب فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ لم يأخذهم الطوفان إلا لأنهم كانوا ظالمين.
[١٥] فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ حيث أهلك الله أولئك الظالمين جميعا بذلك الطوفان الرهيب الذي وسع البسيطة، إلا فئة محدودة كان الله قد أمرها بصنع سفينة في الفلاة، ثم ركبوها وبدأ الطوفان. أوليس في ذلك آية للعالمين؟!.
[١] بضم الشين: ضرب من الحيات.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧ ص ١٤١.