من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - رب نجني من القوم الظالمين
وفرق بين الأول الذي ينعكس على أسلوب العمل، والآخر الذي ينعكس على ذات العمل.
إن موسى عليه السلام لم يتوقف لحظة عن الجهاد في سبيل الله، ولكنه صار يتحرك بحذر، والترقب: من المراقبة، وتوقع ردات فعل السلطة. الأمر الذي يدعو للإعداد الوقائي لأية ردة فعل من قبلها.
وعندما تدخل الحركة الرسالية في ظروف العمل السري يتوجب عليها أن تحسب ألف حساب لتحركاتها، وأن تختار الوقت المناسب لتوجيه أية ضربة للنظام، وأن لا تفجر الصراع بشكل شامل ومعلن إلا بعد نضجها و نضج الساحة الجماهيرية، وضمن خطة مدروسة آنفا، وإلا فإن مصيرها سيكون الفشل.
ومجموع هذه الحسابات هي التي دعت موسى عليه السلام للغضب على الإسرائيلي لما تقاتل مع القبطي الآخر، ولو لم يكن يستنجد بموسى، و بالتالي يكشفه أمام الناس، ربما لم يتخذ منه هذا الموقف.
فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ وقد عبر القرآن عن المرة الثانية بالاستصراخ، ولم يقل يستنصره- كما كان في حديثه عن الأمس- وربما ذلك ليبين أن موقف الإسرائيلي كان فاضحا، ولعل هذا كان مما دعا موسى عليه السلام للغضب عليه قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ إنك تعرف الطريق الصحيح، وإنه من غير المناسب تفجير الصراع في مثل هذه الظروف، ولكنك تتنكب عن الطريق بشكل بين وواضح، وذلك أن موسى عليه السلام- كما يبدو- كان قد بين له في المرة الأولى الخطأ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص: ١٥] لكنه خالف القيادة فاستحق العتاب بل التأديب كما في الرواية التي مر ذكرها.
ومع كل ذلك صمم موسى عليه السلام على البطش بالقبطي، لأنه أخذ على نفسه عهدا بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين.
[١٩] فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا هو والإسرائيلي- بعد أن لام الذي من شيعته على خطئه- وحيث أن كلمات موسى كانت قد أثرت أثرها في نفس الإسرائيلي، فأراد الثأر لنفسه قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ هكذا تبين أن الرجل كان غويا مبينا، وأن صراعه مع الأقباط كان مجردا عن المضمون الرسالي. إذ بمجرد خشيته من غضب قائده ومنقذه انقلب عليه، واتهمه بأنه يريد أن يتجبر في الأرض- يتسلط على الناس بغير الحق- وأن ادعاءه بالسعي وراء الإصلاح ليس بصحيح، ولعله كان من نمط المارقين الذين خرجوا على الإمام علي عليه السلام