من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٩ - وكل آتوه داخرين
كَانَ آخِرُ الزَّمَانِ أَخْرَجَكَ اللهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَمَعَكَ مِيسَمٌ تَسِمُ بِهِ أَعْدَاءَك» [١].
وعلى هذا فهذه الآية تشير إلى الرجعة، حيث تتضافر أحاديث آل البيت أن هناك قيامة صغرى قبل القيامة الكبرى، وفي ذلك اليوم يبعث بعض المجرمين وبعض الصالحين، وعلى هذا فالآية التالية تشير أيضا إلى هذا اليوم.
[٨٣] وإذا قامت القيامة الصغرى [٢] حشر الله من كل أمة فوجا من مجرميها، يخرجهم إلى الدنيا قبل غيرهم، ليشهدوا على أنفسهم، و يشاهدوا جرائمهم، وتكذيبهم بآيات الله وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ.
[٨٤] و هناك تجري محاكمتهم حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ من الأخطاء التي يقع فيها البشر، هو تكذيبهم بالحقائق لأنهم لم يحيطوا علما بجوانبها المختلفة، كالذي لا يؤمن بوجود منطقة في العالم اسمها أمريكا اللاتينية، لأنه لم يعرف تفاصيل الوضع هناك، هذا هو حال الكفار الذين كذبوا بالآخرة لعدم إحاطتهم بجوانبها المختلفة، ومعنى الآية: أكذبتم بآياتي دون أن تحيطوا بها علما، أم كنتم تعملون عملا آخر غير التكذيب؟! كلا .. إنكم كنتم مشغولين بالتكذيب حتى صار شغلكم الشاغل، والآية بهذا المعنى تتشابه وقوله سبحانه بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: ٣٩].
[٨٥] وجرى قضاء الله سبحانه فيهم بالعذاب بسبب ظلمهم، ولم يحتجوا على ذلك لعدم وجود حجة بالغة لهم وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ إذ لا يجدون عذرا ولا منطقا يخلصهم من المسؤولية، لأن الله محيط بكل شيء، وله الحجة البالغة، حيث تشهد أيديهم وجوارحهم عليهم، وإذا كان الإنسان يستطيع المراوغة و التكذيب في محاكم الدنيا المعهودة فهو لا يستطيع ذلك في المحكمة الإلهية في الحشر الأصغر الذي يكون في الرجعة كما الحشر الأكبر الذي يكون في عالم الآخرة.
[٨٦] ومن احتجاجات الله عليهم أنه يقول لهم: هل كانت الآيات و الدلالات على الإيمان قليلة أو غامضة حتى كفرتم؟!.
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً وكل ذلك من آثار حكمة الله التي تدلنا على الآخرة، وتبعث فينا الإيمان بها لو كنا نريد الإيمان، فلو كانت الحياة كلها ليلا أو العكس لاستحالت الحياة.
[١] بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ٢٤٣.
[٢] وهو غير الحشر العام يوم القيامة الذي فيه تقول الآية وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف: ٤٧]