من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين
[٣٢] قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أفتوني: أي طلبت منهم الفتيا، وهي في الواقع حكم نابع من القواعد و الأصول العامة التي يلتزم بها، فلو طبقنا القاعدة المسماة بقاعدة البراءة الفقهية على حادثة معينة أو على حكم خاص فإنا نسمي هذا التطبيق بالفتوى، وملكة سبأ طلبت من الملأ المستشارين البت في المسألة وفق القواعد و التقاليد والأفكار السائدة، وتطبيق تلك القيم على واقع الحياة.
مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ إنني لا أستطيع أن أتخذ قرارا حازما وقطعيا، ما لم تكونوا شهودا معي في اتخاذه. إنها كانت تتخذ القرار بعد أن تستفتيهم وتشهدهم عليه.
[٣٣] قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ نحن نملك القوة والإرادة للمقاومة، وهاتان هما الصفتان اللتان يجب توفرهما في الأمة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال: ٦٠].
إن القوة التي لا ينتفع بها في إنجاز عمل ما لا تنفع شيئا، وإن القوة بدون الاستعداد الفعلي للحرب تظل عقيمة، هناك أكثر من مليار إنسان مسلم يلتزمون ظاهرا بواجب الجهاد في العالم، ولكن حينما تعتدي فئة صغيرة من اليهود على المسلمين لا نحشد القوة لمواجهتها لأننا نعاني من عدم الاستعداد.
وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ الرأي رأيك، والأمر إليك. إنك لا تحكمين بالهوى، ولكن فكري جيدا ثم اتخذي القرار المناسب.
[٣٤] قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ لقد عبرت عن وجهة نظرها في الأمر قائلة: لو ذهبنا إلى مملكة سليمان لسلمت بلادنا منهم، ولكن لو جاءنا بجنوده لدمرت بلادنا تحت سنابك خيلهم، ذلك أن الملوك حينما يدخلون بلادا ما يحاولون الاستفادة من خيراتها، وبذلك يستنزفون مواردها لمصلحتهم فتخرب، فصاحب الأرض وأبناء البلاد بطبعهم يحرصون على موارد بلادهم وخيراتها، ويحز في أنفسهم أن يروا خيرات بلادهم نهبا للأجنبي المستغل، فالفلاح- مثلا- يحافظ على أرضه، ويهتم بها، ولا ينهكها بالزراعة، فيزرعها سنة و يتركها في السنة التي تليها لتستعيد التربة قوتها وخصوبتها، وحين يزرع الأرض يحتفظ بقسم من الحنطة- مثلا- كبذور، ويشتري بقسم منها سمادا للأرض، وهذا هو الأسلوب المعتاد، ولكن حين يغزو الأجنبي البلاد ينتزع كل الحنطة، ويترك الأرض يبابا، غير قابلة للإنتاج حتى ولو بعد عشر سنين.
إذا لو حافظنا على استقلالنا لاستطعنا أن نخطط لأنفسنا تخطيطا سليما، فنستخرج من