من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠ - البعد الاجتماعي للإشاعة الباطلة
يوجب الله عليهم أن لا يتناقلوا الشائعات، أو يساعدوا على انتشارها بين صفوف المجتمع، وأن لا يصدقوا أي كلام دونما تثبت، ومن دون توفر الإثباتات والشواهد الكافية، وقوله تعالى وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ يعني: فهلا أنكم حين تسمعون كلاما فيه طعن واتهام للآخرين تواجهونه بالصمت؟.
ثم يبين القرآن ضرورة تقييم الشائعات تقييما نابعا من العقل لا الهوى سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ليس بسيطا أن ينسب الإنسان للآخرين تهمة الإفك، فهذا بهتان ما لم يقم عليه دليل، بلى؛ إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وكذلك القذف متهم حتى تثبت صحته.
ونتوقف قليلا عند كلمة سُبْحَانَكَ فإننا لا ننطقها إلا حينما نرى شيئا كبيرا يبهرنا، فلأننا نخشى الخضوع لشيء من دون الله، يسلبنا فكرنا واستقلالنا وإرادتنا نقول: سبحان الله، لكي نقاوم حالة الانبهار التي قد تؤدي إلى الشرك الخفي، فالله هو المنزه وهو الكبير .. الخ، لا ما نراه أو من نراه أنى بدا عظيما في أعيننا، فلماذا التسبيح هنا؟.
الواقع أن الآية الكريمة تشير إلى ضرورة التوجه إلى الله في حالة الخوف من التأثر بالإعلام المضاد، لأن النفس نزاعة إلى تصديق كل كلام يشيع في المجتمع، خصوصا إذا صدر من الكبار في العمر أو في الرتب الاجتماعية، و علينا أن نقاوم هذه النزعة بذكر الله، ذلك أن ذكر الله يزيد من مناعة المؤمن عن التأثر بالضغوط، والانبهار بالآخرين، والخضوع للتضليل، أو بالتالي يعيد الإنسان إلى عقله، ويعطيه فرصة للتفكر المنهجي، وهو بالتالي يعطي الإنسان استقلالا وقوة واطمئنانا، كما المرساة التي تبقي على استقرار السفينة بين يدي الموج.
[١٧] يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ أي لا تعودوا تتأثروا بالإعلام إن كنتم مؤمنين حقا، وكأنه يخاطب الجميع مع أن الذي جاء بالإفك مجموعة صغيرة منهم، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور: ١١]، وذلك ليشعر المجتمع المؤمن بأكمله أنه المسؤول، لأنه سمح لهذه العصبة، بالانتشار في وسطه ولم يردها من حيث أتت.
[١٨] وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إنه يعلم بمصالحكم، فيرشدكم لما فيه سعادتكم بحكمته البالغة.
[١٩] ويبين السياق جزاء من ينشر الشائعات في المجتمع، وهم عادة من ذوي النفوس المريضة، كما تؤكد هذا البحوث العلمية الحديثة، ذلك أن المبتلين بالعقد الجنسية، هم الذين يسعون لبث الشائعات المختلفة عنها، فلأنهم يعانون من الإحباط الجنسي مثلًا يثيرون