من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - أحسب الناس أن يتركوا؟!
ثالثاً: وهناك أجل مسمى، لا بد أن يأتي المحسنين فينتهي بلاؤهم، والمسيئين فتنتهي أيام مهلتهم فيخسرون.
رابعاً: الذين يجاهدون أهواءهم وشياطين الإنس إنما يعملون لأنفسهم (و هم بالتالي لا يربحون الله شيئا) ذلك لأن الله غني عن العالمين. ومن أعظم مكاسب هؤلاء أن الله سيكفر عنهم سيئاتهم وليجزينهم أحسن ما كانوا يعملون.
خامساً: من العقبات التي تعترض طريق المجاهدين عادة ضغوط الأسرة، وقد أوصانا ربنا بالإحسان إلى الوالدين، ولكن أمرنا بتحدي ضغوطهم التي تدفع باتجاه الشرك بالله، وسيقف الجميع أمام رب العزة لينبئهم بما كانوا يعملون، و ليوفيهم أجورهم، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلهم في الصالحين.
هكذا تأتي فاتحة السورة أذانا بما سوف تبينه آياتها الكريمة.
بينات من الآيات
بسم الله الرحمن الرحيم تشير هذه البسملة إلى ما تحمله هذه السورة من معان من تجاوز عقبة الذات، وترك الدنيا وزينتها، ولا يتم ذلك إلا بالتوكل على الله، وإعمار القلب بالإيمان، وبالتالي باسمه سبحانه.
[١- ٢] الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ كان بعض أتباع الرسل من المؤمنين المخلصين يلقى في قدور الزيت، وتحفر للبعض أخاديد تسعر نارا، ويلقون فيها أحياء، و كان البعض ينشرون بالمناشير، أو يقتلون، أو يصلبون، ولم يفتنوا في دينهم أو يتركوه لما يلاقونه في سبيله، فثبت الله في اللوح إيمانهم، وقيل لهم ادخلوا الجنة مع الداخلين، وهذه السنة جارية في كل زمان ومكان، مهما اختلفت الظروف وتعددت المشارب.
فبعض كان يستمر على الإيمان رغم الفتن، والبعض عندما يجد أن السجن والتعذيب والتشريد والقتل ثمن إيمانه، ينهار ويتراجع. جاء في الأثر المروي قَالَ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام يَقُولُ الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ثُمَّ قَالَ عليه السلام لِي
مَا الْفِتْنَةُ؟
قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ الَّذِي عِنْدَنَا الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ، فَقَالَ عليه السلام
يُفْتَنُونَ كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ
، ثُمَّ قَالَ عليه السلام
يُخْلَصُونَ كَمَا يُخْلَصُ الذَّهَبُ»[١].
[١] الكافي: ج ١، ص ٣٧٠.