من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٠ - بصائر للناس وهدى ورحمة
قضاء إلهي مفاجئ، يأتي لتصحيح مسيرة البشر بصورة غيبية.
والرسالة كما في الآية (٤٣) أداة لرؤية الحقائق وتوضيحها، ومنهج لمعرفة العلوم، وهي في نفس الوقت علم ومعرفة وهدى، كما إن الرسالة تأتي لإتمام الحجة على الناس لكي لا يقولوا غدا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا! فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الإنسان حرا في حياته، ويمنح فرصة الهداية من قبل الله، ولم يشأ ربنا العزيز إكراه الناس على الهدى بالرسل جبرا، فالهداية ذاتها هي مسؤوليتهم، كالذي يعطيك الكتاب ولا يمنحك العلم، وإنما يوفر لك فرصته، وهكذا الرسالة بالنسبة للناس، ويوم القيامة تكون الحجة البالغة لله علينا، ثم إن السياق يعتبر صلة بين عبر الأمم الغابرة، وسنن الرسل السابقين، وبين رسالة النبي محمد صلى الله عليه واله.
بينات من الآيات
كتاب موسى
[٤٣] وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى في هذا الشطر يلخص القرآن الدورة الحضارية، فهي تبدأ برسالة إلهية و شخص أو جيل رسالي، ثم تنتهي بثقافة جاهلية، وجيل منحرف ينذره الرب، فإن لم ينتفع بالنذر أهلكه، ولا ريب أن هذه الدورة ليست حتمية، فلو قدر أن تمسك الناس برسالات الله لما أهلكهم الله، كما قدر لقوم يونس ذلك.
ثم يقول ربنا عن الكتاب الذي أنزل مع موسى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً في الوقت الذي تكون رسالات الله منهج للرؤية (البصيرة) فإنها بذاتها علم ومعرفة توصل البشر إلى الحقائق، فمن جهة تعطي الإنسان بصيرة في الحياة تجاه الأشياء والأحداث، لأنها تحتوي على سنن الله في الحياة، و تحمل في طياتها مقاييس ومعايير تحدد له الرؤية النظرية السليمة، و من جهة أخرى تحتوي على العلم والهدى اللذين يرسمان له الموقف العملي الحق لو اتبعها.
وقد يكون الفرق بين العلم والهدى: أن العلم هو مجرد اتصال الإنسان بالحقائق، أما الهدى فهو تفاعله معها، وانتفاعه منها، وجاء في الدعاء
«أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»
[١]. يقصد به العلم الذي لا يعمل به.
وعندما لا يعمل الإنسان بالعلم فإنه يضل ويجهل، بل وينسى العلم نفسه، أما حين
[١] مصباح الكفعمي: ص ٢٢٩.