من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٣ - بصائر للناس وهدى ورحمة
[٤٧] الثاني: فهو إقامة الحجة على الناس وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وفي الآية إشارة إلى أن الناس يعلمون بأهمية الرسالة الإلهية حينما تتيه بهم المذاهب، ويجر عليهم ضلالهم الويلات والإرهاق.
ولعل السياق يشير هنا إلى سنة إلهية هي: أن الله يصيب هؤلاء الجهلة بمصائب دنيوية يحسون بها .. من نقص في الأنفس والثمرات، وحروب داخلية تطحنهم، فيلجأون إلى الله طالبين الخلاص، فلما يبعث الله فيهم الرسول ليخلصهم إذا هم به يكفرون، ولعلهم كانوا يريدون الخلاص بلا عمل يقومون به، أو تحمل لصعوبة الجهاد من أجله، ويذكرنا السياق- على هذا التفسير- بقصة بني إسرائيل حين طلبوا من نبيهم ملكا، فلما اختار الله لهم طالوت ملكا، كفروا به لأنه لم يكن على هداهم، ولم يؤت سعة من المال.
[٤٨] ثم يبين القرآن كيف أنهم يكفرون بالحق، لأنهم يريدونه وفق أهوائهم ومقترحاتهم.
فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى من المعاجز كالثعبان، واليد البيضاء، والسبب أنهم لم يكونوا ينظرون إلى جوهر الرسالة وإلا لوجدوها كرسالة موسى عليه السلام في أهدافها وخطها العام، بل إن ما جاء به الرسول صلى الله عليه واله هو أعظم من عصا موسى. أوليست عصا موسى آية إلهية؟ فكذا القرآن كله آيات.
ومع ذلك يؤكد القرآن أن المشكلة ليست في عدم وضوح الآيات القرآنية بل في نفسياتهم السلبية، المعاندة للحق، والمصرة على الكفر. لهذا يتساءل القرآن أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ولا ريب أن الذين يخاطبهم القرآن في هذه الآية ليسوا هم الذين كانوا مع موسى ثم كفروا به، ولكن السياق يقول أنهم كفروا بموسى عليه السلام وربما ذلك ليبين لنا وحدة المنهج والتفكير الذي يوصل إلى نفس النتيجة.
[٤٩] قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، من مميزات منطق الرسل أنه موضوعي وعقلاني للغاية، فالرسول على عظمته، وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم تراه لا يعاند، ولا يصر مستكبرا في مقابل الدعوات الأخرى، إنما يقول: إذا كان لديكم كتاب هو أهدى من رسالتي فإني أتبعه، وهو يعلم يقينا أن لا كتاب أهدى من كتاب الله، الذي أنزل على موسى والذي أنزل عليه مكملا ومهيمنا.