من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٧ - وكل آتوه داخرين
عفويا ودونما تكلف، ونحن لا نستطيع إلا ذم أنفسنا التي اختارت الشقاء، أما ربنا فإنه يستحق الحمد بكل تأكيد، فقد خلق الكون برحمته، وأجرى فيه سننه، كما أجرى في قلوبنا تيارا من العقل والعلم والإرادة لكي نستفيد مما في الحياة من سنن.
ولكن تبقى مشكلتنا نحن الذين لا نستفيد من تلك السنن، ولا من هذا التيار الخير، ولذلك فإن سنة إلهية أخرى سوف تقضي علينا وهي سنة الجزاء التي يؤكدها هذا الدرس.
وحينما يفسد الناس فلا يبقى فيهم من بركات الرسالات الإلهية شيء، فينتشر الفساد في الأرض، ولا يبقى إلا لكع ابن لكع، كما قال الرسول صلى الله عليه واله [١]، آنئذ يحين موعد الساعة، وتقوم القيامة، والتي من علاماتها وأشراطها خروج دابة من الأرض تكلم الناس، الذين يحشرون يومها على صورة مجاميع، طيبين وخبيثين، فتشهد على الخبيثين بأنهم معرضون عن آيات الله كما يشهدون على أنفسهم، فيبدأ الحساب ثم الجزاء.
ويلاحظ أن القرآن يذكرنا بحكمة الله عندما يتعرض لذكر القيامة و يوم البعث، فما هي العلاقة بين ذكر الآخرة، والتذكرة بحكمة الله؟.
إننا عن طريق الإيمان بحكمة الله لما نراه من آثارها في كل أجزاء الكون، نؤمن بالآخرة، فما دام لكل شيء غاية ينتهي إليها، إذن فلا بد أن يكون خلق الإنسان لهدف ما، ولو فكرنا لوجدنا أنه البعث بعد الموت.
ثم يحدثنا ربنا عن بعض آثار الحكمة في الخلق، فلو نظرنا إلى الجبال لظننا أنها ساكنة لا تتحرك بينما هي تمر في حركتها كالسحاب، والذي يخلق عالما بهذه الدقة المتناهية، هل خلقه بعلم أم بجهل؟!.
بالطبع خلقه بعلم، فهو يعلم أيضا ما نعمله نحن البشر.
ثم تستعرض الآيات بعض مشاهد يوم القيامة، وتشير إلى جزاء المحسنين الذين يؤمنهم الله من فزع ذلك اليوم- الذي لا يستثني أحدا غيرهم- أما الكفار فإنهم يلقون على وجوههم في جهنم خالدين.
ويخبرهم الرسول صلى الله عليه واله بأن الله أمره بأن يعبده وهو رب مكة الذي حرمها وله كل شيء، وأن يتلو القرآن (الذي كفاه هاديا) فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها، وليس الرسول
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٤٥٢: قال رسول الله صلى الله عليه واله: «
يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ خَيْرُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيمَيْنِ
» قال المجلسيJ
أي مؤمن بين أبوين مؤمنين كريمين.