من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٧ - كل شيء هالك إلا وجهه
أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا
فَالْحَسَنَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً والسَّيِّئَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً، فَنَعُوذُ بِالله مِمَّنْ يَرْتَكِبُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ ولَا يَكُونُ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَغْلِبَ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ» [١].
وتشير خاتمة الآية إلى أن جزاء العمل في الآخرة ذات العمل بعد أن يتجسد في صورة مادية بشعة، فالظلم في الدنيا ذاته هي الظلمات التي تحيط بصاحبها في الآخرة، ومن أكل أموال اليتامى ظلما فإنما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون سعيرا، أما النتن الذي يخرج من أفواه الفاسقين فإنه ذاته الكذب الذي أفكوه أو الغيبة والتهمة والفرية التي مارسوها في دار الدنيا. دعنا نستغفر ربنا حتى يقينا شر السيئات التي اقترفناها، و الذنوب التي احتطبناها.
[٨٥] الحياة قائمة على أساس سبق البناء لا الهدم، وأن الحركات القسرية نهايتها الفشل، بينما الحركات التي تجري وفق سنن الله في الخلق تنجح وتثمر، لأن عامل الزمن يكون في صالحها، وهذه الفكرة هي منطلق لفكرة أخرى وهي ضرورة انتصار الحركات الإلهية عبر الأجيال.
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ أي إن الذي أنزل القرآن وفرضه عليك يردك إلى وطنك الذي هجرك منه الكفار والمشركون.
ولكن لماذا قال تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ولم يقل إن الله العزيز مثلا؟.
الجواب: هناك قاعدة بلاغية تقتضي انسجام المفردات مع السياق، وهنا نجد ترابطا وثيقا بين فرض القرآن وعودة الرسول إلى بلده، فما دام الله هو الذي أعطى الرسول منهج العمل، وفرض عليه الالتزام به، فإنه يجعل هذه الأداة فعالة وكفيلة بأخذ حقه، وبلوغ أهدافه كعودته إلى بلاده منتصرا بعد الهجرة، و هذا ينطوي على فكرة حضارية هي: أن المهاجر الرسالي لا يمكن أن يعود إلى بلده، إلا إذا طبق البرنامج الإلهي وهو القرآن الحكيم.
ثم يشير القرآن إلى ما يبدو أنه تعليل للحكم السابق إذ يقول قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ إن الهدى ينسجم مع سنن الله في الخلق، بينما يتنافر الانحراف معها، وبالتالي فالذي يتبع الهدى اعتقادا وعملا سيصل إلى أهدافه، لأن الله المهيمن على الخلق هو العليم بالمهتدين فينصرهم، بينما أصحاب الضلال يحبط أعمالهم.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٦ ص ١٠٣.