من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٩ - فألقي السحرة ساجدين
وهكذا خر السحرة ساجدين لله، في وسط دهشة الجميع فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ هكذا ينبغي على من يحمل مشعل الثقافة الرسالية ألا يهن، ولا يني يهاجم الظلام الشيطاني. ذلك أن النور سيطوي الظلام أنى كان متراكبا.
[٤٨] ولأن السحرة آمنوا بالله بدلالة موسى، وحيث تجلت آية الله على يده، فإنهم ذكروه، ولأن هارون- بدوره- كان وزيرا لموسى فقد جاء ذكره عند هذه اللحظة. لحظة المفاجأة الكبرى.
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ هكذا يقدر الرب أعمال عباده الصالحين.
[٤٩] كان فرعون موغلا في الضلالة والجحود، فلم يهتد بكل تلك الآيات، بل ظل يعاند بما أوتي من قوة.
قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وتوعدهم بالعذاب الأليم، حيث لم يبق أمامه حجة يبرر بها مخالفته للرسالة، فقال لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يدا من اليسار، ورجلا من اليمين وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.
[٥٠] كان العقاب شديداً، ولكن التقدير قضى أن يستقبله أولئك الذين كانوا إلى عهد قريب من ركائز النظام، لكي لا يرتاب أحد في صدق إيمانهم، وبالتالي صدق الرسالة، وتتم حجته على الناس.
قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ كيف بلغ السحرة هذه الذروة من الإيمان بالله ورسالاته في لحظة، كيف أيقنوا بالنشور إلى درجة استساغوا الشهادة، واعتبروها عودة إلى الله؟!.
حين تتساقط حجب حب الذات، وعبادة الأهواء، والخضوع للطاغوت، فإن الحقائق تتجلى مباشرة للقلب، ويكون العلم بها علما شهوديا، و اليقين صادقا.
[٥١] ثم لأن السحرة طالما مشوا في أرض الله، وانقلبوا في نعمه، يأكلون رزقه، ويعبدون غيره، فلما تذكروا كانت الصدمة في نفوسهم قوية فأرادوا تكفير ذنوبهم التي أحسوا الآن بثقلها على كواهلهم، وتطهير صفحة حياتهم بدم الشهادة، فقالوا إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ.
ونستوحي من هذه الآية أن هناك مؤمنين آخرين اتبعوا نهج السحرة التائبين، وإنما كان هؤلاء طلائع في مسيرة الإيمان.