من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣١ - رب نجني من القوم الظالمين
انتباه الآخرين، إذ من الخطأ عندما يكون عند الفرد الرسالي أمر هام أن يظهر في صورة غير عادية أمام الآخرين.
وهنا لا ننسى أيضا أثر الوقت في كثير من المهام، فقد يستدعي الأمر أحيانا أن يرسل الواحد للآخر إشارة فقط، أو لا أقل يختصر الكلام ليكون الوقت في صالحه بشرط أن يكون الاختصار نافعا قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ بهذه العبارة المختصرة التي تتضمن الخبر والتحليل اكتفى هذا الرجل.
[٢١] كما إن موسى عليه السلام لم يفوت على نفسه لحظة واحدة، إذ كان يملك القرار الحازم، بالإضافة إلى البصيرة النافذة، ويعبر عن مجموع هاتين الصفتين بسرعة البديهة، وكم من المجاهدين وقعوا في يد الأنظمة لأنهم لا بديهية لهم، فتراهم عندما يسمعون بأن شيئا غير عادي يحوط بهم. تراهم يترددون في اتخاذ القرار المناسب ربما لصعوبته عليهم، كقرار الاختفاء، أو الهجرة، أو التصدي، فيقعون في محذورات أكبر فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وكان يحمل معه في هجرته زاد التوكل وهو أعظم زاد.
[٢٢] لقد كان موسى مهاجرا بالمعنى المعنوي، عندما هجر سلوكيات المجتمع المنحرفة، أما الآن فإنه بدأ الهجرة العملية بمضمونها المادي أيضا، وللهجرة في سبيل الله فوائد عظيمة. من أهمها تزكية نفس الإنسان، فأول ما يقوم به المهاجر في سبيل الله هو تزكية نفسه. ذلك أن وعثاء السفر، والغربة، والابتعاد عن المجتمع الفاسد، ومواجهة التحديات، و المشاكل الجديدة و ..، كل هذه الأمور بوتقة لصياغة شخصية الإنسان باتجاه التكامل، وهكذا كانت الهجرة تعني بالنسبة لموسى عليه السلام فقد كان يبحث عن الهدى، ولم تكن هجرته للهروب عن المصاعب والمشاكل. كلا .. فهو لا يزال يفكر في قومه.
إن قسما من الناس حينما يهاجرون عن شعوبهم، ويجدون الرخاء و الأمن في البلد الآخر، ينسون بلادهم وشعبهم، وكل الدموع والدماء و المآسي التي لا يزال شعبهم يعاني منها، وهذا خطأ كبير، وانحراف بالغ، لأنك حينما تهاجر فلكي تكسب المزيد من الوعي والقوة، فتعود لبلدك لتفجر الثورة.
وهكذا نجد موسى عليه السلام في مسيره إلى مدين يسأل الله سبحانه أن يهديه سواء السبيل وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وقد انطلق موسى عليه السلام في الصحراء وحده، وكانت قصة هجرته أروع ما عرفه التأريخ من هجرات البشر. دعنا نقرأ جانبا منها