من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٥
[٦٦] لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ولقد أنعم ربنا على الإنسان بنعمة العقل والفطرة والبصيرة، و لكن الإنسان يترك عقله إلى جهله، وبصيرته إلى عماه، و فطرته النقية إلى شهواته الشائبة.
والتمتع مجرد إثارة عاجلة لأعصاب الإنسان وشهواته، و المشكلة في الإنسان أنه يعتبر المتعة هدفه في الحياة، وهذا الاعتقاد ناتج من الكفر بالقيم و الغيب والروح، والمتعة لا تتعدى بضع ثوان يشعر فيها الإنسان بالسعادة الوهمية، ولكن لا يعلم أنه يحتطب على ظهره وزرا، ولذا جاء في الدعاء
«مِنْ ذُنُوبٍ أَدْبَرَتْ لَذَّاتُهَا فَذَهَبَتْ، وأَقَامَتْ تَبِعَاتُهَا فَلَزِمَتْ» [١].
وسيعلم الكفار يوم القيامة فداحة الخطأ الكبير، حين فصلوا المتعة عن إطارها السليم، وفرغوها من مضمونها الرفيع، و جعلوها ممارسات حيوانية، تهبط بالإنسان إلى حضيض الرذيلة و الشقاء.
[٦٧] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ميزة القرآن أنه يستخرج أمثلة من واقع الحياة لا من وهم و خيال، و لقد كانت الجزيرة العربية عبر التأريخ مسرحا واسعا للنهب والسلب، وانتهاك الحقوق، وتضييع الكرامات، حيث أصبح الإنسان لا يأمن على نفسه، أو ماله، أو عرضه، وحتى دينه، وكان شعار العرب حينذاك السيف، ودثارهم الخوف، فمن الله عليهم بنعمة الأمان والرخاء والشبع، وأنزل منهاجه لتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على أسس العدل و الحرية والتكامل وغيرها من مبادئ الإنسانية التي لا يختلف عليها العقلاء، ولا تختلف مع سمو تطلعات الإنسان وأهدافه.
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ فوا عجبا للإنسان على جهله وكفره، وهل هناك شيء أوضح من نعم الله على الإنسان لكي يكفر بها؟!.
إن اتباع الهوى، والسير وراء المصالح والأهداف الشخصية، تحول الباطل إلى حقيقة، والكفر بالنعم إلى واجب شرعي.
[٦٨] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ أكثر الناس ظلما لنفسه وللآخرين هو من ينبذ القيم الإلهية، و يستبدلها بقيم بشرية شيطانية، وأخطر الكفار من أنكر القيم، و افترى على الله الكذب في أحكامه، ولذا كان حد منكر الصلاة القتل شرعا، فالذي يؤمن بالصلاة ولا يقوم بها قد توجد لديه قابلية القيام بها في المستقبل، أما الذي يكفر بها من الأساس، ويضع لنفسه تشريعات مزاجية لا يجدي
[١] الصحيفة السجادية: في ذكر التوبة وطلبها.