من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٨ - وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين
لدينا يومئذ لمعارضته.
والذي نستفيده من هذه العملية- حين بعثت بلقيس بالهدايا- أن من عقل هذه الملكة، و
«مَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا»
[١]، أنها لم تحزم في القرار بالحرب أو السلم، إنما تركت لنفسها فرصة- حتى يعود الرسول- تفكر فيها، حتى لو اتخذت قرارا يكون قرارها سليما، وهكذا فإن القرار الناجح هو الذي يتخذه صاحبه بعد توافر كل مكوناته: (المعلومات والخبرات والتفكير السليم).
وهكذا تحرك رسول بلقيس حتى وصل إلى سليمان، فلما سلمه الهدايا استصغرها واستصغرهم أيضا، ولما عاد الرسول إلى بلقيس وأخبرها بما جرى عرفت أن سليمان ليس كسائر الملوك، ولما كان الرسول يحمل تهديدا بالزحف نحو مملكتها إن لم تأت بلقيس وقومها مسلمين، جمعت أمرها على المسير إلى سليمان، وقبل أن تتحرك من اليمن كان سليمان يبحث عمن يأتيه بعرشها الذي يبلغ (٢٥) ذراعا طولا وعرضا وارتفاعا و كان ذهبا، فقام عفريت من الجن وقال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، فقام (آصف بن برخيا) وصي سليمان، وكان عنده علم الاسم الأعظم، فقال: أنا آتيك بعرشها قبل أن يرتد إليك طرفك، فأمره سليمان بذلك، فرأى العرش أمامه في لحظة وآنئذ أمر سليمان بإجراء تغيير بسيط فيه وذلك بأن تجعل مقدمته فضة بدل الذهب، وسأل بلقيس إن كان هذا عرشها، فنظرت إليه نظرة تفكر، ثم قالت: كأنه هو، وتدل إجابتها على رجاحة عقلها، إذ تعرفت على عرشها رغم تنكيره، ولم تتعجب من انتقاله من تلك المسافة البعيدة إلى قصر سليمان، ولكن الذي أثار دهشتها، أن عرشها كان في سبعة أروقة متداخلة، وكلها مغلق، ويحيطها الخدم، والجيش، ولم يكن قد طرأ تغيير في ملكها سوى انتقالها هي إلى مملكة سليمان عليه السلام فكيف انتقل عرشها؟! فعرفت أنه انتقل بقدرة قادر عظيم.
إن هدف سليمان من إحضار العرش هو تذكير بلقيس بأن معرفتها لم تنفعها، وأن قوتها ليست بكبيرة، وأن ما بنته ليس سوى نسج للعنكبوت، لأنه لا يستند على قوة الإيمان، ولكنها لم تفهم المغزى إذ كانت تفقد بصيرة الإيمان التي تهديها إلى بواطن الأمور- كما هو حال الكثير من المثقفين في عالم اليوم- ولكي يختبرها ويعرفها على الحقيقة أكثر أمر سليمان بأن يوضع عرشه في مكان ما، وأجرى بين عرشه والباب ماء، ووضع على الماء جسرا من الزجاج، جعل تحته بعض الأسماك، و الأحياء المائية، ثم أمر بإدخال بلقيس، فلما فوجئت بالماء، ظنت أن سليمان يريد إهلاكها غرقا، لكنها قررت اقتحام اللجة، فكشفت عن ساقيها تهيؤا للعبور، وإذا بها تصطكان
[١] نهج البلاغة: حكمة: ١٦١.